ابن الجوزي
193
صفة الصفوة
أيها الناس إنما أنتم في هذه الدار غرض فيكم المنايا تنتضل ، وإن الذي أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب ، لا تتناولون فيها نعمة إلا بفراق أخرى ، ولا يستقبل معمّر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله ، ولا تجدّد زيادة في أجله إلا بنفاد ما قبله من رزقه ، ولا يحيا له أثر إلّا مات له أثر فنسأل اللّه أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة . وعن بكار بن عبد اللّه قال : سمعت وهب بن منبه يقول : مرّ رجل عابد على رجل عابد فقال : ما لك ؟ قال : أعجب من فلان إن كان قد بلغ من عبادته فمالت به الدنيا ، فقال : لا تعجب ممن تميل به ولكن أعجب ممن استقام . وعن أشرس ، عن وهب بن منبه قال : أوحى اللّه عزّ وجل إلى داود : يا داود هل تدري من أغفر له ذنوبه من عبيدي ؟ قال : من هو يا ربّ ؟ قال : الذي إذا ذكر ذنوبه ارتعدت منها فرائصه ، فذلك العبد الذي آمر ملائكتي أن يمحوا عنه ذنوبه . قال : وقال داود إلهي أين أجدك إذا ما طلبتك ؟ قال : عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي . وعن بكار بن عبد اللّه عن وهب قال : قرأت في بعض الكتب أن مناديا ينادي من السماء الرابعة كل صباح : أبناء الأربعين ، زرع قد دنا حصاده ، أبناء الخمسين ما ذا قدّمتم وما ذا أخّرتم ؟ أبناء الستين لا عذر لكم ، ليت الخلق لم يخلقوا وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا ، قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم . وعن عبد الصمد بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول : قرأت في التوراة : أيما دار بنيت بقوة الضعفاء جعلت عاقبتها للحراب ، وأيما مال جمع من غير حلّ جعلت عاقبته إلى الفقر . وعن عبد الرزاق قال : أخبرني أبي قال : سمعت وهب بن منبه يقول : ربما صليت الصبح بوضوء العتمة - ( وقد روي لنا من طريق آخر ) . وعن المثنى بن الصباح قال : لبث وهب بن منبه عشرين سنة لم يجعل له بين العشاء والصبح وضوءا .