ابن الجوزي

178

صفة الصفوة

قال ابن المبارك ، فلم يزل يقول : الساعة الساعة ، حتى استوت بالغمام وأقبل المطر من كل مكان وجلس مكانه يسبّح وأخذت أبكي ، إذ قام فاتّبعته حتى عرفت موضعه . فجئت إلى فضيل بن عياض فقال لي : ما لي أراك كئيبا ؟ فقلت : سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا فقال : وما ذاك ؟ فقصصت عليه القصة فصاح وسقط وقال : ويحك يا ابن المبارك خذني إليه . فقلت : قد ضاق الوقت وسأبحث عن شأنه . فلما كان من الغد صليت الغداة وخرجت أريد الموضع فإذا شيخ على الباب قد بسط له وهو جالس فلما رآني عرفني وقال : مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن حاجتك فقلت له : احتجت إلى غلام أسود . قال : نعم عندي عدة فاختر أيّهم شئت فصاح : يا غلام فخرج غلام جلد ، فقال : هذا محمود العاقبة أرضاه لك فقلت : ليس هذا حاجتي . فما زال يخرج واحدا بعد واحد حتى أخرج إليّ الغلام . فلما بصرت به بدرت عيناي فقال : هذا هو ؟ قلت : نعم . قال : ليس إلى بيعه سبيل قلت : ولم ؟ قال : قد تبركت بموضعه من هذه الدار وذلك إنه لا يرزؤني شيئا . قلت ومن أين طعامه وشرابه ؟ قال : يكسب من فتل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قوته ، فإن باعه في يومه وإلا طوى ذلك اليوم ، وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام هذا الليل الطويل ولا يختلط بأحد منهم مهتمّ بنفسه . وقد أحبّه قلبي فقلت له : أنصرف إلى سفيان بن عيينة وإلى فضيل بن عياض بغير قضاء حاجة ؟ فقال إن ممشاك عندي كبير ، خذه بما شئت . قال : فاشتريته فأخذت نحو دار فضيل بن عياض ، فمشيت ساعة فقال لي : يا مولاي . فقلت : لبيك قال : لا تقل لي لبيك فإن العبد أولى أن يلبي من المولى . قلت : حاجتك يا حبيبي . قال : أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة وقد كان لك في غيري سعة وقد أخرج إليك من هو أجلد مني . فقلت : لا يراني اللّه استخدمك ولكن أشتري لك منزلا وأزوّجك وأخدمك أنا بنفسي . قال : فبكى . فقلت له : ما يبكيك ؟ قال : أنت لم تفعل هذا إلا وقد رأيت بعض متّصلاتي باللّه تعالى وإلا فلم اخترتني من بين أولئك الغلمان ؟ فقلت له : ليس بك حاجة إلى هذا فقال لي : سألتك باللّه إلا ما أخبرتني . فقلت له : بإجابة دعوتك فقال لي : إني أحسبك إن