ابن الجوزي
179
صفة الصفوة
شاء اللّه تعالى رجلا صالحا . إن اللّه عزّ وجل خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ولا يظهر عليهم إلا من قد ارتضى . ثم قال لي : ترى أن تقف عليّ قليلا فإنه قد بقيت عليّ ركعات من البارحة فقلت : هذا منزل فضيل قريب . قال : لا ، ههنا أحبّ إلى أمر اللّه عزّ وجل لا يؤخر فدخل من باب الباعة إلى المسجد ، فما زال يصلّي حتى إذا أتى على ما أراد التفت إليّ وقال : يا أبا عبد الرحمن هل من حاجة ؟ قلت : ولم ؟ قال : لأني أريد الانصراف . قلت : إلى أين ؟ قال : إلى الآخرة . قلت : لا تفعل دعني أسرّ بك . فقال لي : إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى ، فأما إذ اطّلعت عليها أنت فسيطّلع عليها غيرك فلا حاجة لي في ذلك . ثم خرّ لوجهه فجعل يقول : إلهي اقبضني الساعة الساعة الساعة . فدنوت منه فإذا هو قد مات ، فو اللّه ما ذكرته قط إلا طال حزني وصغرت الدنيا في عيني [ رحمه اللّه ] . 226 - عابد آخر عن أبي سعيد الخزاز قال : كنت بمكة معي رفيق لي من الورعين ، فأقمنا ثلاثة أيام لم نأكل شيئا وكان بحذائنا فقير معه كويزة وركوة مغطاة بقطعة خيش ، وربما كنت أراه يأكل خبز خوّاري . فقلت في نفسي واللّه لأقولن لهذا نحن الليلة في ضيافتك : فقلت له : فقال : نعم وكرامة فلما جاء وقت العشاء جعلت أراعيه ولم أر معه شيئا . فمسح يده على سارية فوقع على يده شيء فناولني فإذا در همان لا تشبه الدراهم . فاشترينا خبزا وأدما . فلما مضى لذلك مدة جئت إليه وسلّمت عليه وقلت له : إني ما زلت أراعيك منذ تلك الليلة وأنا أحبّ أن تعرّفني بم وصلت إلى ذلك ؟ فإن كان يبلغ بعمل حدثتني فقال : يا أبا سعيد ما هو إلا حرف واحد . قلت : وما هو ؟ قال : تخرج قدر الخلق من قلبك تصل إلى حاجتك .