ابن الجوزي

177

صفة الصفوة

ذكر المصطفين من عباد كانوا بمكة لم تعرف أسماؤهم 225 - عابد عن عبد اللّه بن المبارك قال : كنت بمكة فأصابهم قحط فخرجوا إلى المسجد الحرام يستسقون فلم يسقوا . وإلى جانبي أسود منهوك فقال : اللهم إنهم قد دعوك فلم تجبهم وإنّي أقسم عليك أن تسقينا . قال : فو اللّه ما لبثنا أن سقينا . قال : فانصرف الأسود واتّبعته حتى دخل دارا في الخياطين فعلّمتها فلما أصبحت أخذت دنانير وأتيت الدار فإذا رجل على باب الدار فقلت : أردت ربّ هذه الدار . فقال : أنا . قلت : مملوك لك أردت شراءه فقال : لي أربعة عشر مملوكا أخرجهم إليك فأخرجهم فلم يكن فيهم . فقلت له : بقي شيء ؟ فقال : لي غلام مريض ، فأخرجه فإذا هو الأسود . فقلت : بعنيه . قال : هو لك يا أبا عبد الرحمن . فأعطيته أربعة عشر دينارا وأخذت المملوك فلما صرنا إلى بعض الطريق . قال لي : يا مولاي أيّ شيء تصنع بي وأنا مريض ؟ فقلت : لما رأيت عشية أمس . قال : فاتكأ على الحائط فقال : اللهم إذ شهرتني فاقبضني إليك . قال : فخرّ ميتا . قال : فانحشر عليه أهل مكة . وقد رويت لنا هذه الحكاية على صفة أخرى . قال ابن المبارك : قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر وهم يستسقون في المسجد الحرام ، وكنت في الناس مما يلي باب بني شيبة ، إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه ، فصار في موضع خفّي إلى جانبي فسمعته يقول : إلهي أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ومساويء الأعمال ، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدب الخليقة بذلك ، فأسألك يا حليما ذا أناة ، يا من لا يعرف عباده منه إلّا الجميل ، اسقهم الساعة الساعة .