ابن الجوزي
129
صفة الصفوة
الصبح فدخل في الصلاة مع الناس ودخلت معه فلما سلّم الإمام قام فخرج وخرجت خلفه حتى انتهى إلى باب المسجد فخرج يرفع ثوبه ويخوض الماء فخرجت خلفه رافعا ثوبي أخوض الماء فلم أدر أين ذهب . فلما كانت الليلة الثانية صلّيت العشاء في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم جئت إلى ساريتي فتوسدت إليها وجاء فقام فتوشّح بكسائه وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه وقام يصلّي . فلم يزل قائما حتى إذا خشي الصّبح سجد ثم أوتر ثم صلّى ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة فدخل مع الناس في الصلاة ودخلت معه . فلما سلّم الإمام خرج من المسجد وخرجت خلفه فجعل يمشي وأتبعه حتى دخل دارا قد عرفتها من دور المدينة ورجعت إلى المسجد . فلما طلعت الشمس وصلّيت خرجت حتى أتيت الدار فإذا أنا به قاعد يخرز وإذا هو إسكاف . فلما رآني عرفني وقال : أبا عبد اللّه مرحبا ، ألك حاجة ، تريد أن أعمل لك خفا ؟ فجلست فقلت : ألست صاحبي بارحة الأولى ؟ فاسودّ وجهه وصاح بي وقال : ابن المنكدر ما أنت وذاك ؟ قال : وغضب . قال : ففرقت واللّه منه وقلت : أخرج من عنده الآن . فلما كان في الليلة الثالثة صلّيت العشاء الآخرة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم أتيت ساريتي فتساندت إليها فلم يجئ . قال : قلت إنا للّه ما صنعت ؟ فلما أصبحت جلست في المسجد حتى طلعت الشمس ثم خرجت حتى أتيت الدار التي كان فيها فإذا باب البيت مفتوح وإذا ليس في البيت شيء : فقال لي أهل الدار يا أبا عبد اللّه ما كان بينك وبين هذا أمس ؟ قلت : ما له ؟ قالوا لما خرجت من عنده أمس بسط كساءه في وسط البيت ثم لم يدع في بيته جلدا ولا قالبا إلا وضعه في كسائه ثم حمله ثم خرج فلم ندر أين ذهب ؟ قال محمد بن المنكدر : فما تركت بالمدينة دارا أعلمها إلا طلبته فيها فلم أجده ( رحمه اللّه ) .