ابن الجوزي
128
صفة الصفوة
سلّم الإمام تقنّع وانصرف وأتبعه ولم يجلس للقاص حتى أتى دار أنس فدخل موضعا فأخرج مفتاحا ففتح ثم دخل . قال : فرجعت فلما أصبحت أتيته فإذا أنا أسمع نجرا في بيته فسلّمت وقلت أدخل ؟ قال : ادخل ، فإذا هو ينجر أقداحا يعملها . فقلت : كيف أصبحت أصلحك اللّه ؟ قال : فاستشهرها وأعظمها مني فلما رأيت ذلك قلت : أخي سمعت أقسامك البارحة على اللّه عزّ وجل يا أخي هل لك في نفقة تغنيك عن هذا وتفرغك لما تريد من الآخرة ؟ قال : لا ولكن غير ذلك ، لا تذكرني لأحد ولا تذكر هذا لأحد حتى أموت ولا تأتيني يا ابن المنكدر فإنك إن تأتني تشهرني للناس . فقلت : إني أحب أن ألقاك . قال القني في المسجد ، وكان فارسيا . قال : فما ذكر ذلك ابن المنكدر لأحد حتى مات الرجل . قال ابن وهب : بلغني أنه انتقل من تلك الدار فلم ير ولم يدر أين ذهب ؟ فقال أهل تلك الدار : اللّه بيننا وبين ابن المنكدر أخرج عنا الرجل الصالح . 194 - عابد آخر عن محمد بن المنكدر قال : كانت لي سارية في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أجلس أصلّي إليها بالليل فقحط أهل المدينة سنة فخرجوا يستسقون فلم يسقوا فلما كان من الليل صلّيت عشاء الآخرة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم جئت فتساندت إلى ساريتي فجاء رجل أسود تعلوه صفرة متزر بكساء وعلى رقبته كساء أصغر منه . فتقدم إلى السارية التي بين يدي وكنت خلفه ، فقام فصلى ركعتين ثم جلس فقال : أي رب خرج أهل حرم نبيك يستسقون فلم تسقهم فأنا أقسم عليك لمّا سقيتهم . قال ابن المنكدر : فقلت مجنون : قال : فما وضع يده حتى سمعت الرعد ثم جاءت السماء بشيء من المطر أهمني الرجوع إلى أهلي فلما سمع المطر حمد اللّه بمحامد لم أسمع بمثلها قطّ . قال : ثم قال : ومن أنا وما أنا حيث استجبت لي ، ولكن عذت بحمدك وعذت بطولك . ثم قام فتوشح بكسائه الذي كان متزرا به وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه ، ثم قام فلم يزل قائما يصلّي حتى إذا أحسن الصبح سج سجد وأوتر وصلّى ركعتي الصبح ثم أقيمت صلاة