ابن الجوزي
71
صفة الصفوة
أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة جلدة برزة تحتبي وتقعد بفناء الخيمة تسقي وتطعم ، فسألوها تمرا ولحما يشترون ، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك فإذا القوم مرملون مسنتون فقالت : واللّه لو كان عندنا شيء ما أعوز كم القرى . فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد قالت : هذه شاة خلّفها الجهد عن الغنم فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك . قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا . فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم اللّه وقال : اللهم بارك لها في شاتها « 1 » . قال فتفاجت ودرت واجترت فدعا باناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثمال فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آخرهم وقال : ساقي القوم آخرهم شربا فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى اراضوا ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها حتى ارتحلوا عنها فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد « 2 » يسوق أعنزا حيلا عجافا هزلى ما تساوق مخّهن قليل لا نقى بهن ، فلما رأى اللبن عجب فقال : من أين لك هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت ؟ قالت : لا واللّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . قال : واللّه إني لأراه صاحب قريش الذي يطلب ، صفيه لي يا أم معبد ؟ قالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة متبلج الوجه ، حسن الخلق لم تعبه ثجلة ، ولم تزر به صعلة وسيم ، قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، أحور أكحل ، أزجّ أقرن ، شديد سواد الشعر ، في عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة ، إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، وكأن منطقه خرزات عقد يتحدرن ، حلو المنطق فصل ، لا نزر ولا هذر أجهر الناس وأجملهم من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب ربعه لا تشنؤه من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو انظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفّون به إذا قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند .
--> ( 1 ) قيل أن هذه الشاة قد بقيت تحلب صباحا ومساء إلى خلافة عمر بن الخطاب ( انظر الأنوار المحمدية للنبهاني ص 58 ) . ( 2 ) هو أكثم بن أبي الجون يقال له : عبد العزى .