ابن الجوزي
39
صفة الصفوة
ذكر بدو الوحي روى مسلم في الصحيح « 1 » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين « 2 » ، فقال : « فيه ولدت وفيه أنزل عليّ » . وقد روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال : نزل جبرئيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالرسالة يوم سبع وعشرين من رجب ، هو أول يوم هبط فيه . وقال ابن إسحاق : ابتدئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان . وعن عائشة أنها قالت : أول ما ابتدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبّب إليه الخلاء فكان يأتي جبل حراء يتحنّث فيه ، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها ، حتى فجئه الحق « 3 » وهو في غار حراء فجاءه الحق فيه فقال : اقرأ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت : ما أنا بقارئ . قال : فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد « 4 » ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت ما أنا بقارئ . فأخذني فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ سورة العلق - 1 ] ، قال : فرجع بها « 5 » ترجف بوادره « 6 » حتى دخل على خديجة فقال : « زمّلوني زملوني » فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال : يا خديجة ما لي وأخبرها الخبر . قال : قد خشيت عليّ فقالت له : كلا أبشر فو اللّه لا يخزيك « 7 » اللّه أبدا إنك لتصل الرّحم وتصدق الحديث « 8 » وتحمل الكلّ وتقري
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في كتاب الصيام باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس ص 168 ج 3 ، كما أخرجه أبو داود . ( 2 ) وردت في المطبوع « سئل عن صوم يوم الاثنين » . ( 3 ) ويقال : فجأة الحق أي جاءه الوحي . ( 4 ) يجوز فتح الجيم وضمها : وهو الغاية والمشقة ويجوز نصب الدال ورفعها ، فعلى النصب : بلغ جبريل مني الجهد وعلى الرفع : بلغ الجهد مني مبلغه وغايته . ( 5 ) أي بالآيات ، قاله النووي . ( 6 ) أي ترعد وتضطرب ، والبوادر جمع بادرة ، وهي اللحمة التي بين العنق والمنكب . ( 7 ) هو من الاخزاء بمعنى الافضاح والإهانة ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ( 8 ) أي تتكلم بصدق الكلام ولو كذبوك .