ابن الجوزي

35

صفة الصفوة

أعرف ليبغنه بغيا « 1 » ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا وأعلم أني قد أديت إليك النصيحة . فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا ، وكان رجال من يهود « 2 » قد رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي وقال لهم : أتجدون صفته ؟ قالوا : نعم . قال : فما لكم إليه سبيل . فصدقوه وتركوه . ورجع به أبو طالب فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه ، قال الشيخ رحمه اللّه : وما زال صلّى اللّه عليه وسلم في صغره أفضل الخلق مروءة وأحسنهم خلقا وأصدقهم حديثا وأبعدهم من الفحش والأذى حتى سماه قومه الأمين . ذكر رعيه الغنم صلّى اللّه عليه وسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما بعث اللّه نبيا إلا رعى الغنم » . فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : « نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة » - . انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه سويد بن سعيد عن عمرو بن أبي يحيى عن جده سعيد بن أحيحة ، فقال فيه : كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط « 3 » . قال سويد بن سعيد يعني كلّ شاة بقيراط . وقال إبراهيم الحربي : القراريط موضع ولم يرد بذلك القراريط من الفضة . ذكر خروجه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الشام مرة أخرى قد ذكرنا أنه خرج مع أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة فلما بلغ خمسا وعشرين سنة قال له أبو طالب : أنا رجل لا مال لي وقد اشتدّ علينا الزمان ، وهذه عير « 4 » قومك قد حصر خروجها إلى الشام ، وخديجة تبعث رجالا من قومك ، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك .

--> ( 1 ) يقال : استبغى القوم فبغوه : طلبوا له . ( 2 ) أورد البيهقي في دلائل النبوة أن من أراده صلّى اللّه عليه وسلم ومنعهم منه بحيراهم « زبير وثمام ودريس » . ( 3 ) القيراط نصف دانق ، والدانق سدس الدرهم ، والدرهم لفظ فارسي معرب وجمعه دراهم . ( 4 ) العير بالكسر : الإبل التي تحمل الميرة . ( انظر مختار الصحاح ص 465 )