ابن الجوزي

36

صفة الصفوة

وبلغ خديجة ما قال له أبو طالب فقالت : أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك . فقال أبو طالب : هذا رزق قد ساقه اللّه إليك . فخرج مع غلامها ميسرة : وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما « بصرى » « 1 » من الشام فنزلا في ظل شجرة ، فقال نسطورا الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي . ثم قال لميسرة : أفي عينيه حمرة ؟ قال : نعم لا تفارقه . فقال : هو نبي ، وهو آخر الأنبياء . ثم باع سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاح فقال له : أحلف باللات والعزى . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما حلفت بهما قط وإني لامرؤ أعرض عنهما . . فقال الرجل : القول قولك . وكان ميسرة ، إذا كانت الهاجرة « 2 » واشتد الحرّ ، يرى ملكين يظلان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الشمس . ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في عليّة « 3 » لها ، فرأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على بعيره ، وملكان يظلّان عليه ، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبرها بما ربحوا في وجههم فسرّت بذلك . فلما دخل ميسرة أخبرته بما رأت ، فقال : قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام . وأخبرها بما قال الراهب . ذكر تزويج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خديجة قالت نفيسة بنت منية : كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن العزى بن قصيّ ، امرأة حازمة جلدة شريفة ، أوسط قريش نسبا وأكثرهم مالا ، وكلّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك . قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ، فأرسلتني دسيسا « 4 » إلى محمد بعد أن رجع من الشام ، فقلت يا محمد : ما يمنعك أن تزوج ؟

--> ( 1 ) بصرى : بضم الباء ، مدينة حوران ، فتحت صلحا في شهر ربيع الأول لخمس بقين منه سنة ثلاث عشرة ، وهي أول مدينة فتحت بالشام كله ، ذكره ابن عساكر ، وردها النبي صلّى اللّه عليه وسلم مرتين . ( انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي . الجزء الأول القسم الثاني ص 37 ) . ( 2 ) الهاجرة والهجير : نصف النهار عند اشتداد الحر . ( 3 ) العلية : بضم العين الغرفة ، والجمع العلالي ، وقال بعضهم : هي العلية بالكسر ( انظر مختار الصحاح ص 453 ) ( 4 ) يقال : دس الشيء في التراب أي أخفاه . والمقصود هنا من يرسل سرا ليأتي بالأخبار .