ابن الجوزي

369

صفة الصفوة

فأقمت بمكة ويأبى اللّه عزّ وجل أن يشرح صدري للإسلام وذلك أني انظر إلى بقايا من قريش لهم أسنان متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية فأقتدي بهم ، ويا ليت أني لم أقتد بهم فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكبرائنا . فلما غزا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم مكة جعلت أفكر ، فخرجت أنا وأبو سفيان نستروح الخبر فلقي العباس أبا سفيان فذهب به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ورجعت فدخلت بيتي ، فأغلقته عليّ ودخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكة فآمن الناس ، فجئته فأسلمت وخرجت معه إلى حنين . وعن عروة أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة ، وفي الإسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير . قال ابن سعد : قال محمد بن عمر : قدم حكيم بن حزام المدينة ونزلها وبنى بها دارا ، ومات بها سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة رحمه اللّه . 110 - شيبة بن عثمان بن طلحة رضي اللّه عنه قال الواقدي عن أشياخ له : إن شيبة بن عثمان كان يحدّث عن إسلامه فيقول : ما رأيت أعجب مما كنّا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضّلالات . فلما كان عام الفتح ودخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عنوة قلت : أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة فأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها ، وأقول : ولو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما اتبعته أبدا . فلما اختلط الناس اقتحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن بغلته وأصلت السيف فدنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفي ، فرفع لي شواظ من نار كالبرق حتى كاد يمحشني « 1 » فوضعت يدي على بصري خوفا عليه ، فالتفت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وناداني : يا شيب ادن مني . فدنوت منه فمسح صدري وقال : « اللهم أعذه من الشيطان » . فو اللّه لهو كان ساعتئذ أحبّ إليّ من سمعي وبصري ونفسي وأذهب اللّه عزّ وجل ما كان بي .

--> ( 1 ) أي يحرقني .