ابن الجوزي

363

صفة الصفوة

قلت : إنما أشار بهذا إلى نفسه ، فهو الأنصاري الذي جرت له هذه القصة ، وقد بيّن ذلك في حديث آخر ، وقد قال فيه أبو سعيد : أصبحت وليس عندنا طعام ، وقد ربطت حجرا من الجوع ، فقالت لي امرأتي : ائت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فاسأله فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه ، وأتاه فلان فسأله فأعطاه ، وأتاه فلان فسأله فأعطاه . فقلت : لا ، حتى لا أجد شيئا : فطلبت فلم نجد شيئا فأتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يخطب فأدركت من قوله : « من يستغن يغنه اللّه ، ومن يستعفف يعفّه اللّه » . قال : فما سألت أحدا بعده ، وما زال اللّه يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منّا رضي اللّه عنه . 106 - قيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه وكان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمنزلة الشرط من الأمير . عن داود بن قيس ومالك بن أنس وإبراهيم بن محمد الأنصاري وخارجة بن الحارث ، وبعضهم قد زاد على صاحبه في الحديث ، قالوا : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في سرية فيها المهاجرون والأنصار ، وهم ثلاث مائة رجل ، وكان فيهم قيس بن سعد بن عبادة فأصابهم جوع شديد فقال قيس بن سعد : من يشتري منّي تمرا بجزر يوفيني الجزر هاهنا وأوفيه التمر بالمدينة ؟ فجعل عمر يقول : واعجبا لهذا الغلام ؟ لا مال له يدين في مال غيره . فوجد رجلا من جهينة يعطيه ما سأل ، وقال ، واللّه ما أعرفك ومن أنت ؟ قال : أنا قيس بن سعد بن عبادة . فقال الجهني : ما أعرفني بنسبك . فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسقين من تمر . فقال الجهني : أشهد لي فقال قيس : أشهد من تحبّ . فكان فيمن استشهد : عمر بن الخطاب ، فقال : لا أشهد على هذا بدين ، ولا مال له ، إنما المال لأبيه . فقال الجهني : واللّه ما كان سعد ليخني بابنه في سفّة في تمر ، وأرى وجها حسنا وفعالا شريفا . وأخذ قيس الجزر فنحرها في مواطن ثلاثة ، كلّ يوم بعير فلما كان الرابع نهاه