ابن الجوزي

336

صفة الصفوة

نفرض لك رزقا ؟ قال : قد جعل اللّه تعالى في عطائي ما يكفيني دونه أو فضلا على ما أريد . قال : وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوتهم وتصدّق ببقيته . فتقول له امرأته : أين فضل عطائك ؟ فيقول لها : قد أقرضته . فأتاه ناس فقالوا : إن لأهلك عليك حقا وإن لأصهارك عليك حقا . فقال : ما أنا بمستأثر عليهم ولا بملتمس رضا أحد من الناس لطلب الحور العين ، ولو اطّلعت خيرة من خيرات الجنة لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس وما أنا بمتخلف عن العنق الأول بعد أن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يجمع اللّه عزّ وجل الناس ليوم فيجيء فقراء المؤمنين فيزفّون كما يزفّ الحمام ، فيقال لهم قفوا عند الحساب . فيقولون : ما عندنا حساب ولا آتيتمونا شيئا . فيقول ربهم عزّ وجل : صدق عبادي فيفتح لهم باب الجنة فيدخلونها قبل الناس بسبعين عاما » . فبلغ عمر أنه يمر به كذا وكذا لا يدخن في بيته فأرسل إليه عمر بمال فأخذه فصرره صررا فتصدق به يمينا وشمالا . وقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « لو أن حوراء أطلعت إصبعا من أصابعها لوجد ريحها كلّ ذي روح فأنا أدعهن لكن ؟ فو اللّه لأنتنّ أحرى أن أدعكن لهن منهن لكنّ » . وعن حسان بن عطية قال : لما عزل عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان عن الشام بعث سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي قال : فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوجه . قال : فما لبث إلا يسيرا حتى أصابته حاجة شديدة . قال : فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بألف دينار . قال : فدخل بها على امرأته فقال : إن عمر بعث إلينا بما ترين . فقالت : لو أنك اشتريت أدما وطعاما وادخرت سائرها . فقال لها : أولا أدلّك على أفضل من ذلك ؟ نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه فنأكل من ربحها وضمانها عليه . قالت : فنعم إذا . فاشترى أدما وطعاما واشترى غلامين وبعيرين يمتاران عليهما حوائجهم وفرقها على المساكين وأهل الحاجة . قال : فما لبث إلا يسيرا حتى قالت له امرأته : إنه قد نفد كذا وكذا فلو أتيت ذلك الرجل فأخذت لنا من الربح فاشتريت لنا مكانه . قال : فسكت عنها . ثم عاودته فسكت عنها حتى آذته ولم يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل .