ابن الجوزي

22

صفة الصفوة

يقال لها « فاطمة بنت مرّ » ، وكانت من أجمل الناس وأشبّه وأعفّه ، وكانت قد قرأت الكتب ، وكان شباب قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة في وجه عبد اللّه فقالت : يا فتى : من أنت ؟ فأخبرها . فقالت : هل لك أن تقع علي وأعطيك مائة من الإبل ؟ فنظر إليها وقال : أما الحرام فالممات دونه * والحلّ لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه ثم مضى إلى امرأته آمنة فكان معها . ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرا كما رآه منها أولا ، فقال : هل لك فيما قلت لي ؟ فقالت : « قد كان ذلك مرة فاليوم لا » ، فذهبت مثلا . وقالت : أيّ شيء صنعت بعدي ؟ قال : وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب . قالت : واللّه إني لست بصاحبة زينة ولكني رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك في ، فأبى اللّه إلا أن يجعله حيث جعله . وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد اللّه بن عبد المطلب وتأبّيه لها فذكروا ذلك لها فأنشأت تقول : إني رأيت مخيلة عرضت * فتلألأت بحناتم القطر « 1 » فلمائها نور يضيء له * ما حوله كإضاءة الفجر فرأيته شرفا أبوء به * ما كلّ قادح زنده يوري للّه ما زهرية سلبت * ثوبيك ما سلبت وما تدري وقالت أيضا : بني هاشم ما غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوّه * فتائل قد ميثت له بدهان وما كلّ ما يحوي الفتى من تلاده * لحزم ولا ما فاته لتواني فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدّان يصطرعان

--> ( 1 ) الحنتم : الجرة الخضراء ، والقطر : المطر جمع قطرة . ( انظر مختار الصحاح ص 158 / 541 ) .