ابن الجوزي

279

صفة الصفوة

وعن ميمون بن مهران ، عن رجل من عبد القيس قال : رأيت سلمان في سرّية وهو أميرها على حمار عليه سراويل وخدمتاه تذبذبان والجند يقولون : قد جاء الأمير . قال سلمان : إنما الخير والشرّ بعد اليوم . وعن أبي الأحوص قال : افتخرت قريش عند سلمان ، فقال سلمان : لكنّي خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة ، ثم يؤدى بي إلى الميزان فإن ثقلت فأنا كريم وإن خفت فأنا لئيم . وعن أبي البختريّ قال : صحب سلمان رجل من بني عبس ليتعلم منه . فخرج معه فجعل لا يستطيع أن يفضله في عمل : إن عجن جاء سلمان فخبز وإن هيأ الرجل علفا للدواب ذهب سلمان فسقاها . حتى انتهوا إلى شطّ دجلة وهي تطفح فقال سلمان للعبسي : أنزل فاشرب . فنزل فشرب . فقال له سلمان : ازدد . فازداد . فقال له سلمان : كم تراك نقصت منها ؟ فقال العبسي له : وما عسى أن أنقص منها فقال سلمان : كذلك العلم تأخذ منه ولا ينقص فعليك بالعلم بما ينفعك . قال : ثم عبر إلى نهر دنّ « 1 » فإذا الأكداس عليه من الحنطة والشعير فقال سلمان : يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كأن نراها ومحمد حيّ ؟ قال فقلت بلى . قال : فوالذي لا إله غيره لقد كانوا يمسون ويصبحون وما فيهم قفيز من قمح . قال ثم سرنا حتى انتهينا إلى جلولاء « 2 » قال فذكر ما فتح اللّه عليهم وما أصابوا فيها من الذهب والفضة فقال : يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كأن نراها ومحمد حيّ ؟ قال : قلت بلى . قال : والذي لا إله غيره لقد كانوا يمسون ويصبحون وما فيهم دينار ولا درهم . ذكر ثناء الناس على سلمان واعترافهم بفضله : عن ابن عباس قال : قدم سلمان من غيبة له فتلقاه عمر فقال : أرضاك للّه عبدا . قال : فزوجني فسكت عنه فقال : أترضاني للّه عبدا ولا ترضاني لنفسك ؟ فلما

--> ( 1 ) هو نهر قرب إيوان كسرى احتفره أنوشروان . ( 2 ) هي مدينة في العراق ، كانت فيها موقعة انتصر فيها المسلمون على الفرس سنة 19 للهجرة .