ابن الجوزي

258

صفة الصفوة

قال : وطعن « 1 » فمات رحمة اللّه عليه واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيبا بعده فقال : أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم ، وإن معاذا يسأل اللّه أن يقسم لآل معاذ منه حظه . قال : فطعن ابنه عبد الرحمن . قال ثم قام فدعا ربه لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول : ما أحب أن لي فيك شيئا من الدنيا . فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص . وعن عبد اللّه بن رافع قال : لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل . واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ : ادع اللّه أن يرفع عنا هذا الرجز « 2 » . فقال : إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيّكم وموت الصالحين قبلكم ، وشهادة يختص اللّه بها من يشاء من عباده منكم ، أيها الناس ، أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها قالوا : وما هنّ ؟ قال : يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر ، ويقول الرجل : واللّه لا أدري على ما أنا ؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة ، ويعطى الرجل من المال مال اللّه على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط اللّه ، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة . فطعن أبناه فقال : كيف تجدانكما ؟ قالا : يا أبانا ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ سورة البقرة آية : 147 ] ، قال : وأنا ستجداني إن شاء اللّه من الصابرين . ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول : اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك . وعن الحارث بن عمير قال : طعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة ، وأبو مالك الأشعري في يوم واحد . فقال معاذ : إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبض الصالحين من قبلكم ، اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة . فما

--> ( 1 ) أي أصابه الطاعون . ( 2 ) الرجز : العذاب .