ابن الجوزي
259
صفة الصفوة
أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكره الذي كان يكنى به وأحبّ الخلق إليه . فرجع من المسجد فوجده مكروبا فقال : يا عبد الرحمن كيف أنت ؟ فقال : يا أبة الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ سورة آل عمران الآية : 60 ] فقال معاذ : وأنا إن شاء اللّه ستجدني من الصابرين . فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد . فطعن معاذ فقال حين اشتد به نزع الموت - فنزع نزعا لم ينزعه أحد وكان كلما أفاق من عمرة فتح عينيه ثم قال - رب اخنقني خنقك ، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك . وعن عمر بن قيس عمن حدثه عن معاذ قال ، لما حضره الموت قال : انظروا أصبحنا ؟ قال : فأتي فقيل : لم نصبح حتى أتى في بعض ذلك فقيل له : قد أصبحت . فقال : أعوذ باللّه من ليلة صباحها النار ، مرحبا بالموت مرحبا ، زائر مغبّ ، حبيب جاء على فاقة ، اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك ، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمإ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر . اتفق أهل التاريخ أن معاذا رضي اللّه عنه مات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة ، واختلفوا في عمره على قولين أحدهما ثمان وثلاثون سنة ، والثاني ثلاث وثلاثون . وعن سعيد بن المسيب قال : رفع عيسى ابن مريم وهو ابن ثلاث وثلاثين ، ومات معاذ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . وعن سعيد بن المسيب قال قبض معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين سنة . 52 - أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك يكنى أبا يحيى كان من النقباء وكان أبو أسيد رئيس الأوس يوم بعاث وقتل يومئذ ، وكان ابنه بعده شريفا في الجاهلية وفي الإسلام ، وكان يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي وكانوا في الجاهلية يسمون من كانت فيه هذه الخصال الكامل .