ابن الجوزي
257
صفة الصفوة
وعن معاوية بن قرّة قال : قال معاذ بن جبل لابنه : يا بني إذا صليت فصلّ صلاة مودّع لا تظن أنك تعود إليها أبدا ، واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين ، حسنة قدّمها وحسنة أخّرها . وعن أبي إدريس الخولاني قال : قال معاذ : إنك تجالس قوما لا محالة يخوضون في الحديث فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات ( رواهما الإمام أحمد ) . وعن محمد بن سيرين قال : أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه ، فقال : إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حفظت ، إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر ، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت . وعن الأسود بن هلال قال : كنا نمشي مع معاذ فقال : اجلسوا بنا نؤمن ساعة . وعن أشعث بن سليم قال : سمعت رجاء بن حيوة ، عن معاذ بن جبل قال : ابتليتم بفتنة الضرّاء فصبرتم ، وستبتلون بفتنة السّراء ، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورّن الذهب ، ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتّعبن الغنيّ وكلّفن الفقير ما لا يجد . ذكر مرضه ووفاته : عن طارق بن عبد الرحمن قال : وقع الطاعون بالشام فاستغرقها فقال الناس : ما هذا إلا الطوفان إلّا أنه ليس بماء فبلغ معاذ بن جبل فقام خطيبا فقال : إنه قد بلغني ما تقولون ، وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وكموت الصالحين قبلكم ، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك ، أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أو منافق وخافوا إمارة الصبيان . وعن شهر بن حوشب ، عن رابّه - رجل من قومه ، كان شهد طاعون عمواس - قال : لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة بن الجراح في الناس خطيبا فقال : أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة يسأل اللّه أن يقسم له منه حظه .