ابن الجوزي
214
صفة الصفوة
ذكر تواضعه عن حبيب بن أبي ثابت « 1 » قال : خرج ابن مسعود ذات يوم فاتّبعه ناس ، فقال لهم : ألكم حاجة ؟ قالوا : لا ، ولكن أردنا أن نمشي معك . قال : ارجعوا فإنه ذلّة للتابع وفتنة للمتبوع . وعن الحارث بن سويد قال : قال عبد اللّه لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب . ذكر ايثاره ثواب الآخرة على شهوات النفس عن الأحوص الجشمي قال : دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون له ، ثلاثة غلمان ، كأنهم الدنانير حسنا ، فجعلنا نتعجب من حسنهم فقال لنا : كأنكم تغبطوني بهم قلنا واللّه إي واللّه بمثل هؤلاء يغبط المرء المسلم . فرفع رأسه إلى سقف بيت له صغير ، قد عشش فيه خطّاف وباض ، فقال : والذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي عن تراب قبورهم أحبّ إليّ أن يسقط عشّ هذا الخطّاف وينكسر بيضه . وعن قيس بن جبير قال : قال عبد اللّه : حبذا المكروهان الموت والفقر ، وأيم اللّه إن هو إلا الغنى والفقر ، وما أبالي بأيّهما بليت ، إن حق اللّه في كل واحد منهما واجب ، وإن كان الغنى إنّ فيه للعطف وإن كان الفقر إن فيه للصبر . وعن الحسن قال : قال عبد اللّه بن مسعود : ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم ، بخير أو بشرّ أم بضر وما أصبحت على حالة فتمنيت أني على سواها .
--> ( 1 ) هو حبيب بن أبي ثابت الكوفي فقيه الكوفة ومفتيها مع حماد بن أبي سليمان ، قال في العبر : هو أجل من حماد وأكبر فإنه روى عن ابن عباس وابن عمر وخلق من التابعين ، توفي سنة تسع عشرة ومائة للهجرة وقيل سنة اثنتين وعشرين ، ( انظر شذرات الذهب في أخبار من الذهب ص 154 ج 1 )