ابن الجوزي
11
صفة الصفوة
ذلك الأمر واستتاره في الغار ، وقوله لسراقة « 1 » : أخف عنا « 2 » . فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محذور ، وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه ، وبيان ذلك أن اللّه عزّ وجل قد خلق للآدمي آلة يدافع بها عن نفسه الضرر وآلة يجتلب بها النفع ، فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان جهلا بالتوكل وردّا لحكمة الواضع لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على اللّه سبحانه وليس من ضرورته قطع الأسباب ، ولو أن إنسانا جاع فلم يأكل ، أو احتاج فلم يسأل ، أو عري فلم يلبس ، فمات دخل النار ، لأنه قد دلّ على طريق السلامة فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه . وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال : أخبرنا محمد ابن . . . « 3 » قال أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه قال : حدثنا محمد بن العباس بن أيوب « 4 » ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرّقي قال : حدثنا مطرف بن مازن عن الثوري قال : « من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار » . قلت : ولا التفات إلى أبي حمزة في حكايته « فجاء أسد فأخرجني » ، فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا ، وقد يكون لطفا من اللّه تعالى بالعبد الجاهل ، ولا ينكر أن يكون اللّه تعالى لطف به ، إنما ينكر فعله الذي هو كسبه ، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة اللّه تعالى عنده وقد أمر بحفظها . وكذلك روى « 5 » عن الشبلي أنه كان إذا لبس ثوبا خرقه وكان يحرق . . . « 6 » والخبز والأطعمة التي ينتفع بها الناس بالنار ، فلما سئل عن هذا احتج بقوله : فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ [ سورة - ص - آية 33 ] ، وهذا في غاية القبح لأن سليمان عليه السلام نبي معصوم فلم يفعل إلا ما يجوز له ، وقد قيل في التفسير
--> ( 1 ) هو سراقة بن مالك بن جعثم المدني وهو صحابي توفي أربع وعشرين للهجرة . ( انظر شذرات الذهب ص 35 ج 1 ) . ( 2 ) انظر فتح الباري / 3906 . ( 3 ) ناقصة في الأصل . ( 4 ) هو محمد بن العباس بن أيوب الأخرم - وقيل الأحزم - أبو جعفر الأصبهاني ، كان حافظا نبيها محدثا فقيها ، توفي سنة إحدى وثلاثمائة . ( انظر شذرات الذهب ص 234 ج 2 ) . ( 5 ) أي روى أبو نعيم في الحلية . ( 6 ) ناقصة في الأصل .