ابن الجوزي

12

صفة الصفوة

إنه مسح على نواصيها وسوقها وقال : أنت في سبيل اللّه ، وإن قلنا إنه عقرها فقد أطعمها الناس ، وأكل لحم الخيل جائز ، فأما هذا الفعل الذي حكاه عن الشبلي فلا يجوز في شريعتنا فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن إضاعة المال - وحكى عنه لما مات ولده حلق لحيته وقال : قد جزت أمّه شعرها على مفقود أفلا أحلق أنا لحيتي على موجود ؟ . إلى غير ذلك من الأشياء السخيفة الممنوع منها شرعا . والعاشر - أنه خلط في ترتيب القوم فقدّم من ينبغي أن يؤخر وأخّر من ينبغي أن يقدّم ، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم ، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل ، ولا على ترتيب المواليد ، ولا جمع أهل كل بلد في مكان ، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط ، خصوصا في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه ومن طالع كتاب هذا الرجل ممن له أنس بالنقل انكشف له ما أشرت إليه . وأما الأشياء التي فاتته فأهمها ثلاثة أشياء : أحدها - أنه لم يذكر سيد الزهاد وإمام الكل وقدوة الخلق وهو نبينا صلّى اللّه عليه وسلم فإنه المتّبع طريقه المقتدي بحاله . والثاني - أنه ترك ذكر خلق كثير قد نقل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير ، ولا يجوز أن يحمل ذلك منه على أنه قصد المشتهرين بالذكر دون غيرهم ، فإنه قد ذكر خلقا لم يعرفوا بالزهد ولم ينقل عنهم شيء وربما ذكر الرجل فأسند عنه أبيات شعر فحسب ، ففعله يدل على أنه أراد الاستقصاء ، وتقصيره في ذلك ظاهر . والثالث - أنه لم يذكر من عوابد النساء إلا عددا قليلا ، ومعلوم أن ذكر العابدات مع قصور الأنوثية ، يوثب المقصّر من الذكور ، فقد كان سفيان الثوري ينتفع برابعة « 1 » ويتأدب بكلامها .

--> ( 1 ) هي رابعة بنت إسماعيل البصرية العدوية ، شهيرة الفضل ، من مشاهير المتصوفة . توفيت سنة خمس وثلاثين ومائة ، يقال أن قبرها على رأس جبل يسمى الطور بظاهر القدس . ( انظر شذرات الذهب ص 193 ج 1 ) .