ابن الجوزي
173
صفة الصفوة
بزواله ، ومحبة العالم دين يدان بها ، العلم يكسبه الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد مماته ، مات خزّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة . إن ههنا وأومأ بيده إلى صدره علما لو أصبت له حملة بلى أصبته لقنا غير مأمون عليه ، يستعمل آلة الدين للدنيا ، يستظهر بنعم اللّه على عباده ، وبحججه على كتابه ، أو معاندا لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه ، ينقدح الشك في قلبه ، عارض من شبهة . لا ذا ولا ذاك . أو منهوما باللذات سلس القياد للشهوات ، أو مغرى بجمع المال والادّخار ، ليسا من دعاة الدين في شيء ، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة . كذلك يموت العلم بموت حامليه ، اللهم بلى ، لن تخلو الأرض من قائم للّه بحجة لكي لا تبطل حجج اللّه وبيناته أولئك هم الأقلون عددا ، الأعظمون عند اللّه قدرا ، بهم يحفظ اللّه حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعونها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فاستلانوا ما استوعر المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة في المحل الأعلى آه آه شوقا إلى رؤيتهم ، وأستغفر اللّه لي ولك . إذا شئت فقم » . وعن أبي أراكة ، قال : صليت مع علي بن أبي طالب عليه السلام صلاة الفجر ، فلما سلّم انفتل عن يمينه ، ثم مكث كأن عليه كآبة ، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح ، قال وقلب يده : « لقد رأيت أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا صفرا غبرا بين أعينهم أمثال وكب المعزى ، قد باتوا للّه سجدا وقياما ، يتلون كتاب اللّه يراوحون بين جباههم وأقدامهم ، فإذا أصبحوا فذكروا اللّه مادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح ، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم ، واللّه لكأن القوم باتوا غافلين » . ثم نهض فما رئي مفتّرا يضحك حتى ضربه ابن ملجم ، والسلام .