ابن الجوزي

172

صفة الصفوة

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي ضرب لكم الأمثال ، ووقّت لكم الآجال ، وجعل لكم أسماعا تعي ما عناها ، وأبصارا لتجلو عن غشاها ، وأفئدة نفهم ما دهاها ، إن اللّه لم يخلقكم عبثا ، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا بل أكرمكم بالنعم السوابغ ، وأرصد لكم الجزاء ، فاتقوا اللّه عباد اللّه وجدّوا في الطلب ، وبادروا بالعمل قبل هادم اللذات ، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجائعها ، غرور حائل ، وسناد مائل ، اتّعظوا عباد اللّه بالعبر ، وازدجروا بالنذر ، وانتفعوا بالمواعظ ، فكأنّ قد علقتكم مخالب المنية ، وضمّنتم بيت التراب ، ودهمتكم مفظعات الأمور بنفخة الصور ، وبعثرة القبور ، وسياق المحشر ، وموقف الحساب ، بإحاطة قدرة الجبار ، كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها ، وشاهد يشهد عليها : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ سورة الزمر آية 69 ] فارتجت لذلك اليوم البلاد ، ونادى المنادي وحشرت الوحوش ، وبدت الأسرار ، وارتجّت الأفئدة ، وبرزت الجحيم قد تأجج جحيمها وغلا حميمها ، عباد اللّه ، اتقوا اللّه تقية من وجل وحذر وأبصر وازدجر فاحتثّ طلبا ونجا هربا ، وقدم للمعاد واستظهر بالزاد ، وكفى باللّه منتقما ونصيرا وكفى بالكتاب خصما وحجيجا وكفى بالجنة ثوابا ، وكفى بالنار وبالا وعقابا ، وأستغفر اللّه لي ولكم . وعن كميل بن زياد « 1 » قال : أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبّان ، فلما أصحرنا جلس ، ثم تنفس ، ثم قال : « يا كميل بن زياد ، القلوب أوعية فخيرها أوعاها للعلم ، احفظ ما أقول لك ، الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق . العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة ، العلم حاكم والمال محكوم عليه وصنيعة المال تزول

--> ( 1 ) هو كميل بن زياد النخعي صاحب علي رضي اللّه عنه وكان شريفا مطاعا شيعيا متعبدا ، قتله الحجاج سنة اثنتين وثمانين للهجرة ( انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب ص 91 ج 1 )