ابن الجوزي
8
صفة الصفوة
ومالك وعبد الرحمن بن مهدي « 1 » وأحمد بن حنبل « 2 » وغيرهم ، فإنه ذكر عن كل واحد من هؤلاء من الأحاديث التي يرويها مرفوعة جملة كثيرة ، ومعلوم أن مثل كتابه الذي يقصد به مداواة القلوب إنما وضع لبيان أخلاق القوم لا الأحاديث ، ولكل مقام مقال ، ثم لو كانت الأحاديث التي ذكرها من أحاديث الزهد اللائقة بالكتاب لقرب الأمر ، ولكنها من كل فن ، وعمومها من أحاديث الأحكام والضعاف . أو لو كان اقتصر على الغريب من روايات المكثرين ، أو رخم « 3 » ما يرويه المقلون - كما روي عن الجنيد « 4 » أنه لم يسند إلا حديثا واحدا - لكان ذكر مثل هذا حسنا لكنه أمعن فيما لا يتعلق ذكره بالكتاب . والخامس - أنه ذكر في كتابه أحاديث كثيرة باطلة وموضوعة ، فقصد بذكرها تكثير حديثه وتنفيق رواياته ، ولم يبين أنها موضوعة ومعلوم أن جمهور المائلين إلى
--> ( 1 ) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي الحافظ أحد أركان الحديث بالعراق ، روى عن هشام الدستوائي وخلق ، توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة للهجرة وله من العمر ثلاث وستون سنة . ( انظر شذرات الذهب ص 355 ج 1 ) . ( 2 ) هو أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المرزوي ثم البغدادي ، أحد الأعلام ببغداد ، سمع من هشيم وإبراهيم بن سعد وطبقتهما ، كان إماما في الحديث والفقه والسنة ، وكان يحفظ ألف ألف حديث ، وقد جمع ابن الجوزي أخباره في مجلد وكذلك البيهقي وشيخ الإسلام الهروي . قال الربيع : كتب اليه الشافعي من مصر ، فلما قرأ الكتاب بكى ، فسألته عن ذلك فقال : إنه ذكر أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال : أكتب إلى عبد اللّه أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام وقل له : إنك ستمتحن على القول بخلق القرآن فلا تجبهم نرفع لك علما إلى يوم القيامة ، قال الربيع : فقلت له البشارة فخلع عليّ قميصه وأخذت جوابه ، فلما قدمت على الشافعي وأخبرته بالقميص قال : لا نفجعك به ، ولكن بله وادفع اليّ ماءه حتى أكون شريكا لك فيه . توفي في بغداد يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين . ( انظر شذرات الذهب ص 96 وما بعدها ج 2 ) . ( 3 ) المرخمة : طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة وجمعه رخم وهو للجنس وكلام رخيم أي رقيق والترخيم التليين ، وقيل الحذف ، ومنه ترخيم الاسم في النداء وهو أن يحذف من آخره حرف أو أكثر ، والرخام حجر أبيض رخو . ( انظر مختار الصحاح ص 239 ) . ( 4 ) هو أبو القسم الجنيد بن محمد القواريري الخزاز ، شيخ الصوفية وتاج العارفين صحب خاله السري والمحاسبي وغيرهما من الجلة ، أصله من نهاوند ونشأ بالعراق وتفقه على أبي ثور . ورد أنه قد حج على قدميه ثلاثين حجة ، توفي بعد أن ختم القرآن ثم بدأ بسورة البقرة لسبعين آية منها . وكانت وفاته يوم الجمعة سنة ثمان وتسعين ومائتين للهجرة ، ودفن بالشونزية عند خاله السري السقطي رضي اللّه عنهما . ( انظر شذرات الذهب ص 288 ج 2 ) .