ابن الجوزي

134

صفة الصفوة

وعن عطاء بن السائب « 1 » قال : لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها ، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا له : أين تريد يا خليفة رسول اللّه ؟ قال : السوق . قالا : تصنع ما ذا وقد ولّيت أمر المسلمين ؟ قال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا له : انطلق حتى نفرض لك شيئا . فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن . وعن حميد بن هلال ، قال : لما ولي أبو بكر الخلافة قال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أفرضوا لخليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما يغنيه : فقالوا : نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما ، وظهره « 2 » إذا سافر ، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف . فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : رضيت . وعن عمير بن إسحاق قال : خرج أبو بكر وعلى عاتقه عباءة له ، فقال له رجل : أرني أكفك فقال : إليك عني لا تغرني أنت وابن الخطاب عن عيالي . قال علماء السير : وكان أبو بكر يحلب للحيّ أغنامهم فلما بويع قالت جارية من الحي : الآن لا يحلب لنا منائح « 3 » دارنا فسمعها فقال : بلى لأحلبنّها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت فيه . فكان يحلب لهم ، وأنه لما ولي استعمل عمر على الحج ، ثم حج أبو بكر من قابل ثم اعتمر في رجب سنة اثنتي عشرة ، فدخل مكة ضحوة فأتي منزله ، وأبو قحافة جالس على باب داره معه فتيان يحدثهم ، فقيل له : هذا ابنك فنهض قائما وعجل أبو بكر أن ينيخ راحلته ، فنزل عنها وهي قائمة ، فجعل يقول : يا أبه لا تقم ، ثم التزمه وقبّل بين عيني أبي قحافة وجعل أبو قحافة يبكي فرحا بقدومه وجاء والي مكة عتّاب بن أسيد « 4 » ،

--> ( 1 ) هو عطاء بن السائب بن مالك الثقفي الكوفي الصالح ، روى عن عبد اللّه بن أبي أوفى وطائفة ، قال أحمد بن حنبل : هو ثقة صالح كان يختم كل ليلة ، من سمع منه قديما كان صحيحا ، قاله في العبر ، وقال في المغني : عطاء بن السائب تابعي مشهور حسن الحديث ساء حفظه آخره ، توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة . ( انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب ص 194 ج 1 ) . ( 2 ) ظهره : أي الدابة التي يركب عليها . ( 3 ) منائح : مفردها منيحة وهي الغنم ذوات اللبن . ( 4 ) هو عتاب بن أسيد الأموي ، وكان من مسلمة الفتح ، وأمره النبي صلّى اللّه عليه وسلم على مكة حين خرج إلى حنين والطائف ، ولم يزل عليها حتى توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما جاء الخبر بموت النبي صلّى اللّه عليه وسلم اختفى وخاف -