عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 5

خريدة القصر وجريدة العصر

فقد ابتليت الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية بتناثر سلطانها بين دويلات متشاكسة ، كانت لعبة في يد عدو ألدّ ، يترصّد الفرص للإغراء بينها ، ويترقّب موعد إجلاء الإسلام عن البلاد ، وقد سلّمها اللّه مرّة أولى بفضل القوات المغربية ، ثم أعيدت الكرّة فكانت الطامّة الكبرى بسقوط غرناطة آخر معقل للعروبة ، فاجتاز من قدر من الأندلس إلى العدوة المغربية وإلى تونس ، ومن اختار منهم المقام أرغم على التنصّل من دينه بتقليد عقيدة المتغلّب . وأمّا عرب صقلّية ، فكانوا أسوأ حالا من جميع سكان المغرب ، إذ أنّهم بعد حروب أهلية دامية مع ( النرمنديين ) وحلفائهم ، اضطرّ كثير منهم إلى هجرة جزيرتهم والنّزوح إلى إفريقية التونسية ، ومن بقي منهم متمسّكا بإيمانه وأرضه ، زحزح قهرا عنها إلى جنوب إيطاليا حيث أقرّوا بين جبال قاحلة وعرة المسالك ، فأقاموا هنالك زمانا إلى أن أفنى الكفاح أبطالهم ، وأجبر الباقون على التنصّر والاندماج في زمرة الرعاع ، والبقاء للّه وحده . وأمّا مسلمو جزيرة مالطة ، فقد طرأ عليهم ما طرأ على عرب صقليّة ، المثل بالمثل وفي زمان واحد . بيد أنّ من تنصّر منهم وأقام في أرضه ، حافظ على لغته العربية التونسية وما زال متمسّكا بها إلى يوم الناس هذا . وبينما كان المغرب الإسلامي يقاسي تلك الخطوب العارمة ، أصيب الشرق العربي أيضا بكارثة شنعاء من نوع آخر هي حملة الصليبيين ، وهم عصابات إفرنجية متهوّرة ، على الأرض المقدّسة ، منبع الوحي ومنزل الإلهام ، وقد لاقى المشرق من جرّائها ويلات التفرقة ومصائب أخرى لا تعدّ ، حتى أتى اللّه بالفرج على يد الدولة الصالحة الأيوبية ، فنفضت غبار العار عن وجه العروبة ، وطهّرت أرضها من الأيدي الغاصبة . ومن المدهش في نظر المؤرّخ البصير ، أن تشمل هاتيك الحملات