عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 6
خريدة القصر وجريدة العصر
والهجمات سائر المغرب والمشرق العربيين في آن واحد وفي ظروف مماثلة ، ولولا قوة إيمان السكّان الأصليين ونهوض رؤساء صادقين ، لما سلم العالم العربي بأجمعه من الوقوع في قعر هوّة غامضة كادت تسوقه إلى الدمار الماحق ، والفناء الساحق ، ولكنّ اللّه بفضله قدّر سلامة المنقلب ، فعاد الأمر إلى نصابه والماء إلى مجراه . ومن حسن الطالع أن يهتمّ بعض كبار المشارقة فيحفظ لنا من أدباء تلك الحلبة ، وأشعار فرسان تلك الكوكبة ، ما تيسّر له أن يتلقّاه مشافهة من أفواه النازحين الإفريقيين إلى الديار الشرقية ، أو ما ينقله من مجاميعهم الأدبية ، فيسدي لنا يد معروف يجب تقديرها وإكبارها ، لما جمعه من متناثر الأقوال ، لشعراء مجيدين غمرهم النسيان ، وانسدلت عليهم ستور الغفلة والإهمال . وهذا القليل الشارد هو ما دوّنه وجمع شتاته فارس من فرسان البيان ، وعلم شامخ من حملة الأقلام ، هو عماد الدّين الأصبهاني ، أحد عمد الدولة الصلاحية الأيوبية ، فلهذا المؤلّف الجامع أكبر فضل وأجلّ أثر في انتقاء ما تفرّق من أخبار شعراء المغرب والمشرق في تلك الفترة المجدبة الأخبار ، الخالية من رواة الآثار ، في موسوعته الأدبية المعنونة ( بخريدة القصر وجريدة العصر ) . فرحم اللّه تعالى تلك الروح الزكية التي شاءت أن تخلّد قريض عصرها ، وتثبت أقوال دهرها ، في ديوان شامل بقي مهجورا دهرا طويلا . وجّه بعض إخواننا من محقّقي المشرق - ما بين مصريين وسوريين وعراقيين - عنايتهم إلى إخراج القسم المخصّص لشعراء أوطانهم من ( خريدة القصر ) ولم يبق منها سوى ما يتّصل بالمغرب العربي ، تونس والجزائر والمغرب الأقصى وصقليّة والأندلس ، فإنّه لم يبرز للعيان وبقي مخفيا بين دفّات المخطوطات .