عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 13

خريدة القصر وجريدة العصر

أن يكون أحلى من اكتشافها عن طريق السّرد التاريخي التقريري ؛ فهي في الشعر تنبع من هذا الحفل بالجزئيات التي لا نجدها في التاريخ ، وهذا الغنى بالتفاصيل التي لا يقف عندها المؤرخ . . ولذلك تأتي أدعى إلى الإثارة ، وأقرب إلى إلى الإمتاع ، وهي إثارة ومتعة يصطلح عليهما الحقيقة والفن ، التاريخ والشعر ، في آن معا . ز - والحق أنه ليس هنالك شيء أجدى وأمتع في كتابة التاريخ العربي ، أو في إعادة كتابته ، من الرجوع إلى الشعر الذي وأكبه وصاحبه ، وكان ظله . . ففي بطولات المدح ، وتفجعات المرائي ، ومقطوعات الشكوى ، وهدير الفخر . ونداءات الثأر ، وأصوات الألم وهمساته ، في هذه كلها ، التي تؤلف مجرى الشعر العربي ، تكمن ثروة من الجزئيات التاريخية ، لا ثمن لها . وإذا كانت بعض الجماعات الإنسانية الأخرى تستطيع أن تكتب تاريخها من وراء أحداثها ، فإن الجماعة الإسلامية ، لا تستطيع أن تكتب هذا التاريخ كاملا حافلا ، ينبعث الضوء من كل جانب فيه ، إلّا حين يشترك الشعر مع الأحداث ، وتنحلّ عقدة القصيدة ، لتتكشف عن كثير من الخيوط الدقيقة الخفية وراءها . . بل لعلّي لا أجنح إلى غلوّ إن قلت إن اليمن ، خاصة ، في حاجة إلى هذا التعاون والمزاوجة ؛ في كتابة تاريخها ، بين الأحداث وبين الشعر الذي يومئ إلى هذه الأحداث ، أو ينبع منها . . . ذلك لأن تاريخ هذه الفترة ، متراكب متداخل ، ولأن التيارات التي كانت تعصف باليمن في القرن السادس ، لم تكن هذه التيارات الظاهرة الواضحة فحسب ، وإنما كانت كثرة منها ، من هذه التيارات الداخلية الخفية ، التي تنسرب هنا وهناك ، لا تكاد تبين للعين . .