عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 12
خريدة القصر وجريدة العصر
لا تكاد تفارق اليمني ، والتي تمتد جذورها إلى بعيد بعيد في أعماق الجاهلية ، وبرنة الثأر التي لا تدع يمنيا ينام على وتر ، فإذا هو يصطنع أمهر الحيلة ، ويعيش مستخفيا أطول الشهور ، ويغير ملامح الوجه حتى لا يكاد يبين ، ويجند ويجهد ما وسعه العمل ، ليفجأ خصمه بعد ذلك بالقوة الشديدة ، أو بالدعوة الجديدة ، أو بالحيلة البارعة . ه - والحق أن الشعر اليمنيّ يقدّم هذه النبعة الثرة الصافية لتأريخ اليمن بصورة غير مباشرة ، عن طريق هذا الذي يحفل به من جزيئات ، ويغنى به من تفاصيل ، ويكتنزه من ملامح وسمات وإشارات . . وإذا كنا نختلف أو نتفق في تقويم هذه المختارات من نحو فنيّ ، فنحن نتفق في تقويمها من هذا النحو التاريخي . . . إن قيمتها التاريخية تعويض مجزئ رابح عن قيمتها الفنية ، وفي وسع الباحثين في هذا الجزء أن يقف بعضهم عند الأشعار ، وأن يقف بعضهم وراء هذه الأشعار . . أن يقف ليلمح من زاوية أخرى ، غير زاوية التاريخ المباشر ، الناس اليمنيين ، في سلمهم وخربهم ، في استقرارهم وثوراتهم ، في هدوئهم وقلقهم ، أن يرى كيف كانوا يقطعون البحر إلى هذا الجانب من المحيط إلى الهند من آسية ، وإلى ذاك الجانب الآخر من إفريقية . . . أن يشهد ألوانا من الحكم : حكم العدالة وحكم القوة ؛ أن تستبين له ملامح أولئك الذين يحكمون ، وأولئك الذين يحكمون ، الذين يغتالون والذين يغتالون ؛ أن يعرف تاريخ هذا الجزء من الأرض الطيّبة ، بين ذروة السعادة ووهدة الشقاء ، بين خير الطبيعة وشر الإنسان ، منفصلة عن العالم الإسلامي أو مرتبطة به . و - ولعل اكتشاف مثل هذه الأشياء ، والتعرف إليها عن طريق الشعر ،