عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 4
خريدة القصر وجريدة العصر
( 2 ) والحق أن هذا الجزء لا يشاكل الجزء السابق فحسب في أنه يتحدث عن شعراء بأعيانهم ، يجلوهم ويعرض شعرهم ، ويضع بين أيدينا هذه الثروة الشعرية التي وقعنا عليها عند مثل الغزي وابن منير الطرابلسي والقيسراني وعرقلة الكلبي وفتيان الشاغوري وابن قسيم الحموي وغيرهم ، ويتيح لنا التعرف على هذه المجموعة المختارة من الشعراء أو هذه المجموعة من العلماء والفقهاء والأجناد والكتاب التي تقول الشعر ، من الذين كنا لا نعرفهم أو لا نعرف عنهم إلا الأبيات القليلة والمقطعات القصيرة والخبر الصغير الموجز في هذا الكتاب أو ذاك من كتب التراجم أو التاريخ . . . وإنما ينفرد عنه في أنه يتحدث عن أسر كاملة فشا فيها الشعر ؛ وتوارثت نسجه وقوله ، وأخذه الناشئ المحدّث عن الكبير المتقدم ، ودار هذا الفن من القول بين الأجداد والآباء ، والأبناء والأحفاد ، حتى أضحى تراثا يغنى مع الزمن ، ويزداد مع الأيام ، وحتى أضحت رسائل ما بين أفراد هذه الأسر وحديثهم وعتابهم وحنينهم شعرا يحفظ لنا العماد في جريدته طرفا صالحا منه . . فإذا نحن أمام مجموعات من الشعر ذات لون معيّن ، وأمام مجموعة من الشعراء لا تربطهم قرابة الأدب فحسب وإنما تربطهم قرابة النسب ، ولا تصل بينهم تقاليد المعاصرة وإنما تجمعهم كذلك تقاليد الأسرة الآسرة ، وإذا ذلك يدفعني إلى ميادين مختلفة من التنقيب كنت في بعضها كالذي يحاول أن يلتقط حجرا بعينه من بئر سمحة غزيرة ، وكنت في بعضها كالذي لا يرضيه الضوء الضئيل بين يديه فيحاول أن يخرج الفتيل بإصبعه فتأخذ فيها النار ، فلا هو أحيانا أبقى عليه إصبعه ، ولا هو في أحيان أخرى أفاد ضوءا جديدا . ( 3 ) ومبعث ذلك أني لم أشأ أن أترك هذه الأسماء التي عرضها العماد دون أن أحكم الربط بينها وأتعرف إلى أواصر القربى التي تشدّها ، وأحاول أن أوضح أو أصحح ما يقال فيها . . وكنت من ذلك في عمل شاق متصل جمعت جزئياته وبنيتها من كل مصدر ، كما يجمع الأثريّ قطع بناء