عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 16

خريدة القصر وجريدة العصر

يقدر أن يقولها أحد مدى حياته ، وأن الثانية لا سبيل إليها لأن ما يغمض عليك اليوم يتضح لك غدا ، وما يستغلق في ساعة من ساعات الليل ينفتح في ساعة من ساعات النهار ، وما لا تسعفك به مناسبة تسعفك به مناسبة أخرى ، وما لا تراه في هذا الكتاب أو تراه على وجه قد تراه في كتاب آخر وقد تراه على وجه ثان . . غير أنك لا تملك أن تجعل وقتك كله وعمرك كله وقفا على كتاب ، وقصاراك أن تبذل الجهد الذي تستطيع في ظروف الزمان أو المكان أو للعمل الذي أنت فيه . 7 - ولست بسبيل من ذكر المشقات التي واجهتني ، فالمشقة قرين العمل الجادّ ، وإنهما لوجهان لحقيقة واحدة . . غير أني أحببت أن أنبه إلى أن وجه الصعوبة في مثل هذا الكتاب ترجع إلى أنك لا تعيش مع شاعر واحد له جوّه الخاص ، ومعجمه الذي تألفه ، وطريقته في تصوّر الأشياء وعرضها ، وأسلوبه في التمثيل لها أو التعبير عنها ، وإنما يسوقك الشاعر إلى الشاعر ، والأستاذ إلى التلميذ ، والقريب إلى القريب في كل مدى الكتاب . ولست في هذا الكتاب أمام شاعر واحد تستطيع أن تحدّد حيّزه من الزمان وحيّزه من المكان ومقامه من الشخصيات التي عاصرته ، في نطاق الشعر أو الأدب ، وفي نطاق السياسة أو السلطان ، ولكنك أمام عديد ضخم من الشعراء لكلّ وجهة وولا ، وبيئة وحيّز . ولست أمام جيل واحد من هذه الأجيال التي عاصرها العماد ، وإنما أنت أمام الجيل الذي عاصره العماد أولا ثم أمام جيل آخر كان العماد يقول إنهم من أهل عصره الأقرب « 1 » ، سمع بهم أو رويت له طرف أو مقطّعات من أشعارهم . ولست كذلك أمام هؤلاء المعروفين المشهورين من شعراء عصره من مثل الغزي وابن منير ، ولكنك أمام المشهورين والمغمورين ، أمام الذين استحسنهم والذين ترضى عن استحسانه لهم ، وأمام الذين لم يستحسنهم وإنما أثبتهم هكذا ، فأنت تنكر منه أحيانا وقوفه عليهم وتمهله عندهم .

--> ( 1 ) انظر مثلا الصفحة 177 من هذا الجزء .