عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 17

خريدة القصر وجريدة العصر

ثم أنت لست أمام هؤلاء الشعراء فحسب ، وإنما أنت أمام كلّ الذين قالوا الشعر من الكتّاب ومن الفقهاء ومن المحدّثين ومن أبناء الأجناد « 1 » ، حتى لتحسّ كأنّ العماد قد قصد إلى هذا التنويع والتفريع قصدا ، أو عمد إلى شيء من الاستقصاء عمدا ؛ فلا معدى لك عن متابعته ومحاولة إيضاحه . ولست كذلك أمام الشعر فحسب ، وإنما أنت بين الحين والحين أمام مختارات من النثر الذي يخضع لكل الذي خضع له نثر القاضي الفاضل ومن جاء بعده من تغليب الصناعة حتى لا تكاد تعثر على المعنى إلا بجهد وتعمّل وتأوّل . ولست في الفترة التي كانت فيها الدولة الإسلامية موحّدة أو كالموحدة ، ولكنك في الفترة التي تسلل فيها الصليبيون فأقاموا هنا أو هناك . . . وفي الفترة التي انفرطت فيها الدولة إلى إمارات وانقسمت الإمارات إلى أجزاء وتسلط على الأجزاء متسلطون ، وقام بالأمر أسر ووزراء يختلفون ويقتتلون ، وتنساب أسماؤهم وأوصافهم وألقابهم متشابهة ، وتتصل أحداثهم متشابكة ، وتكون لهم ميول أو قصص أو حوادث يحرص الشعراء على أن يستمدوا منها بعض معانيهم أو صورهم . . فإذا أنت تجد العناء في فهم هذه الصور وتمثّل هذه المعاني كما تجد العناء في تعريف الشخصيات وتحديد الأزمنة وإدراك الوجه . ولست أخيرا أمام العماد الذي يكتب لي ولك من أبناء هذا العصر فيحرص على التوضيح والتحديد ، وإنما هو يكتب وفي ذهنه عصره واضحا بكل أسمائه وألقابه ورجاله وأحداثه ، فيوجز ويرمز . . ولكن ما أكثر ما تطمس الليالي من ملامح ، وتذهب السنون بالوضوح ، فلا يبقى إلا لقب غامض أو اسم مختصر أو إشارة عابرة ، كالطلل يومئ ولا يعرّف . ومن هذا كله كانت بعض مميّزات الكتاب ، ومن هذا كله أيضا كان وجه هذه الصعوبات الخاصة التي أشير إليها في تحقيق بعض معالمه ، وفي توضيح بعض أعلامه ، وفي فهم بعض إشاراته .

--> ( 1 ) انظر الصفحة 313 من هذا الجزء .