عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 5
خريدة القصر وجريدة العصر
الفلك أو ذاك ، وتنجذب في هذه الوجهة أو تلك ، في محاولة لتلمس وجودها الحقّ ، كذلك هذه المخطوطات العربية أرواح غريبة شاردة في كل أفق ، وأنفاس مبعثرة في كل مكتبة ، وأشباح تعيش على الرفوف ، رفوف هنا ورفوف هناك ، تنتظر أن يلتئم منها الشمل المبدّد ، وأن يلتقي منها المتفرق الممزق . ولعله من هذا الحدس الداخلي العميق الذي لا يستطيع الانسان استكناهه ، أني كنت أتطلع ، وأنا في المشرق ، تطلعا دائبا إلى المغرب ، وأتساءل فيما بيني وبين نفسي متى تكون المناسبة الطيبة التي تتيح لي أن أزور المغرب وأن ألقاه . . . أليس هذا المغرب جزءا أصيلا من وجودنا العربي . . ألم يكن في واقعنا الحديث ملحمة رائعة منذ بدأ ثورته على الاحتلال الفرنسي ، وكان في قلوبنا أملا مرجوّا وجناحا لا بد له أن ينبت عليه الريش ، وأن تكون له القوادم والخوافي ليكون من لقائه المتكامل مع جناح المشرق هذا الانطلاق بالقافلة العربية انطلاقا طائرا يتجاوز هوّة الزمن وفترات التخلف ليلحق بركب الحضارة ؟ ! وما أكثر ما عاش المغرب في نفوسنا منذ كنا أطفالا على مقاعد الدرس هتافا له وتمجيدا لثباته أمام الغزو الفاضح الذي لم يشهده بلد . . غزو تناول اللغة والعقيدة والأرض والثروة . . أراد أن يطمس العقيدة بالتجهيل بها حينا أو الصرفة عنها حينا . . وأراد أن يفتت اللغة عن طريق ممازجتها واذابتها ، وأراد أن يطرد أصحاب الأرض عن الأرض حتى يبقي العربيّ والصحراء المقفرة أكبر همه ، لا يرى البحر ولا يتطاول اليه ولا يمتد بينه وبينه سبب ، وأراد أن يستلب الثروة حتى لا يكون الّا الرغيف شاغلا للناس . . وكان يعتلج في نفوسنا الغضب ولكننا كنّا لا نملك العون . . فلما استطاع المغرب أن يثور ، قطرا وراء قطر ، وأن تتعاون الأقطار المتحفزة للثورة مع الأقطار الثائرة في