عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 6
خريدة القصر وجريدة العصر
تكامل كامل كنّا مع المغرب بكل ما نستطيع ، حتى إذا استكملت أقطاره استقلالها كان أول ما يجب أن نفكر فيه هو هذا التواصل الذي لا بدّ منه بين المشرق والمغرب ، في سبيل استكمال كل نقص والتعويض عن كل انقطاع . وكذلك وجدتني في المغرب ، أعمل في فاس ، العاصمة العلمية لهذا الوطن . . ولم يكن أكرم وأحلى في نفوس الذين يعملون في فاس من أن يكونوا في القرويين ، مسجدا ومكتبة ، ما وسعهم ذلك . . أن يجدوا في هذه الغابة المشجرة من أعمدة المسجد الجامع آيات من آيات الروعة ، تظللهم فيها ذكريات من المجد ، وتبهرهم روائع من الماضي ، وتغشاهم هذه الهزّة التي تغشى الانسان موصولا بأحجار حضارته وآثارها . . يثيرهم أن هذا الانسان لا يحسن أن يتابع طريق الحضارة ولا يستطيع أن يكون له في قيادة ركب الانسانية نصيب . . فإن لم يكونوا في المسجد كانوا في مكتبة المسجد ، وإنها لجزء منه ، يعيشون بين هذه الأرواح المتآلفة التي تحيا من كل بلد من بلاد العرب والاسلام وتتحدث إليك في كل فن من فنون المعرفة ، وتقص عليك القصص في كل جانب من جوانب الثقافة . . وتنثال عليك فيها أسماء وملامح وثقافات ومعارف . . فإذا أنت وكأنما من حولك هذا التاريخ كله لهذه الرقعة كلها ، من أقصى الشرق من وراء النهر وأسوار الصين إلى أقصى الغرب على المحيط ، مستقطرا في هذه الصفحات التي تنتظر آية النشور . وذات يوم كنت أهبط « فاس » من ضاحيتها الجديدة التي تقع على منبسط من الأرض إلى فاس المدينة الأم التي تتشابك طرقها وتنحدر من هذه الوجهة أو تلك حتى تتلاقى في سرة المدينة ، في القرويين .