عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 68
خريدة القصر وجريدة العصر
وهذه الصفة الأخيرة يندر حصولها عند الشعراء ؛ لأن الارتجال فورة من فورات الطبع ، واختشاب للألفاظ ، لا تتأتّى معه المجانسة والتنوّق والاجتلاب . وقد اشتهر من أمثلته البارعة ما تهيأ له ، وهو بسائر القاضي الفاضل في موكب حاشد كثرت فرسانه وأثارت سنابك خيله من الغبار ما سدّ الفضاء وأثار دهشة القاضي الفاضل منه ، فقال العماد فورا مرتجلا : أمّا الغبار ، فإنّه * ممّا أثارته السّنابك والجوّ منه مظلم * لكن أنار به السّنابك يا دهر ! لي ( عبد الرّحي * م ) ، فلست أخشى مسّ نابك وهذا جناس مطبوع أشبه بالمصنوع ، وارتجال مثله أثر من آثار تمكن الفن من نفس الشاعر وقدرته البالغة في القول . وهو في طريقته من الرقة والسلاسة والاتّساع في العبارات وامتداد النّفس كأنه يجري مجرى « مهيار » ، ولعل من شعره ما لو مزج بشعر « مهيار » لالتحم به وما بان غريبا عنه ، فديباجتاهما متشابهتان ، وأسلوباهما بعضهما قريب من بعض . ولقد جاراه العماد فعلا في أشهر قصائده الرقيقة : بكر العارض تحدوه النّعامى * فسقيت الغيث يا دار أماما فبدا على قصيدته طابع مهيار ، وإن شهد على نفسه بتقصيره عن شأوه في « بيتي قصيدته اللذين هما في رقّة الصّبا ورونق الصّبا » : حمّلوا ريحكم نشركم * قبل أن تحمل شيحا وثماما وابعثوا أشباحكم لي في الكرى * إن أذنتم لجفوني أن تناما وقصيدة العماد هي في هذا الجزء من الخريدة « 1 » . ولقد طار خيال العماد في أجواء متعددة ، ونظم في أغراض مختلفة ، فتغزل غزلا رقيقا
--> ( 1 ) راجع ص ( 112 - 116 ) .