عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 69
خريدة القصر وجريدة العصر
عذبا لا يخلو من أثر الحب واحتراق القلب بالمواجد والأشواق ، وقد اختار ابن الساعي جملة منه في كتاب « غزل الظراف ومغازلة الأشراف » ؛ وصوّر ألواحا جميلة لمظاهر الطبيعة من أنهار وحدائق ذات بهجة وثمار وفاكهة ، ومدح ، واستعطف ، وتشوّق ، ورثى . ولقد تعلّق في مدائحه ومراثيه بشمائل العظماء من أمثال المقتفي والمستنجد والمستضىء من الخلفاء ، ونور الدين وصلاح الدين وأبيه وأخيه وغيرهم من عظماء الأسرة الأيوبية ، وابن هبيرة الحنبلي والقاضي الفاضل وابن مصال وغيرهم من أعيان الوزراء والقادة في الاسلام ، وكانوا جميعا جمال ذلك العصر بجلال أسرهم وعظم مناقبهم وما سجلوه من غرر آيات الجهاد في ساحتي الدين والدنيا ، وهم بما أشاد به من مناقبهم جديرون كل الجدارة ، ولو لم يفعل لعدّ مقصرا . وأكبر أغراضه شأنا ، وأجلها خطرا ، أوصافه للحروب الصليبية . وهي تتصل عنده بتغنّيه بمناقب البطلين العظيمين نور الدين وصلاح الدين ، وانتصارات جيوشهما على جيوش الفرنج الذين بغوا على هذا الشرق العربي حقبة طويلة من الدهر فدوّخوه ، وأفسدوا حياته ، وكان العماد - كما قدمت من القول فيه - شاهد عيان في هذه المعارك والانتصارات الماتعة ؛ لأنه شارك هذين المجاهدين العظيمين فيها جميعا ، لم يتخلف الّا عن غزوة واحدة أيام السلطان صلاح الدين ، فوصف في قصائده ما أداه اليه العيان ، مثله في ذلك كمثل أبي الطيب المتنبي في مشاركته سيف الدولة في حروب الروم البيزنطيين ، وكان العماد في زمانه فارس الشعراء الفحول في هذا الشأن على ما رويت لك من شهادة أبي شامة المقدسي في حقه « 1 » . ولو نشر ديوانه العظيم ، لألقى أضواء جديدة على شاعريته ، وأبان لنا فضله في تخليد كبريات حوادث عصره في شعره كما خلدها في نثره ، وأطلعنا على ما غاب عنا من الصور التي رسمها لها والآفاق التي سبح فيها خياله أو طافت حولها أفكاره .
--> ( 1 ) راجع ص ( 39 ) .