عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 58

خريدة القصر وجريدة العصر

الصلاحية ؛ وأنه ما لبث أن خرج عن كل ما كان فيه ، ولم يعد إلى ذلك البتة ، لبيتين سمعهما من القاضي الفاضل حين دخل عليه داره ورأى ما رأى من آثار مجلس أنس ورائحة خمر وآلات طرب ، في خبر ظاهر الافتعال يرويه الصفدي عن « بعض المجاميع الأدبية » على حدّ كلامه . ومن المعقولات البديهية أن كتابة التأريخ ينبغي أن تقوم على صدق الرواية وحسن الدراية ، وكلا هذين العنصرين غير موفور في خبره . ومن عجب أن الصفدي في « الوافي بالوفيات » قد اشترط في المؤرخ - نقلا عن غيره - شروطا تسعة فيما ينقله وما يترجمه من عند نفسه ، أحدها « أن يسمي المنقول عنه » ، وهو - هاهنا - يحيد حتى عن هذا الشرط الاعتيادي ، فينقل غير متردد عن « مجهول » ؛ ولو كان عالما منهجيا ثبتا لما أخل بشرط من أهون الشروط التي فرضها على المؤرخين ونسي نفسه . ووصف صاحب « كنوز الأجداد « 1 » » من أخلاق العماد شدة حرصه على تحصيل الدنيا ، ومثّل لذلك بحكايتين تصفان دناءة نفسه على حد تعبيره ، صيغتا بأسلوب واه بعيد من المنطق السديد ، وإحداهما تجعل من العماد - الكاتب الثاني في الدولة الصلاحية - صبيا مدلّلا لم يأخذ حظا من تهذيب ، كما تجعل من القاضي الفاضل صاحب شعبذة وأضاحيك كالهازلين في تمثيلية « طيف الخيال » ، ومن السلطان صلاح الدين العظيم مخلوقا خفيف الوزن يطرد كاتبه ثم يسعى بنفسه اليه - في خانكاة الدراويش - مترضيا ! ! ولعل هذا القصص المصنوع هو الذي غرّ المنذري أن يقول في التكملة لوفيات النقلة واصفا أخلاق صلاح الدين مع العماد : « وللسلطان الملك الناصر معه من الإغضاء والتجاوز والبسط وحسن الخلق ما يتعجب من وقوع مثله من مثله « 2 » » . ولو تأمل المنذري وأمثاله في هذه المرويات ، لرفضوها ، وقالوا مع ابن الفوطي من أنه « جرى بصحبة السلطان صلاح

--> ( 1 ) الأستاذ محمد كرد علي : كنوز الأجداد ( ص 315 ) . ( 2 ) التكملة لوفيات النقلة ( الورقة 19 ) .