عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 57
خريدة القصر وجريدة العصر
البداءة » خبرا رواه علي بن ظافر الأزدي عن فخر الدين الحلبي عن العماد نفسه ، زعم أنه حدثه به ، وما نرى أنه يحدث بمثله عن نفسه إلا سفيه أو معتوه ، لا فقيه جليل له المكانة الرفيعة في قومه كالعماد الكاتب . وقد نعت الخبر العماد ب « القاضي الأجل » ، فلا أدري كيف ينعت بالأجلّ من يقترف كبائر ما ينهاه عنه دينه ، أو كيف يقترف كبائر ما ينهى عنه الدين رجل منعوت بهذا النعت الخطير ؟ وما عرف عن العماد أنه كان من القضاة في يوم من أيام حياته . ثم هو ألصق التهمة به أيام كان في الموصل ، وأنا أعلم أن العماد الكاتب قد ألمّ بالموصل مرتين في حياته : مرة في سنة 542 ه ، وكان في ذلك العهد متفقّها ببغداد ، فحضر عند وزيرها جمال الدين بالجامع في جمعتين ، وتكلم عنده مع الفقهاء في مسألتين ، ومدحه بقصيدة ، وعاد إلى بغداد « 1 » . وألمّ بها ثانية بعد ولاية الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد ، فقضى أيامه فيها مريضا أشد المرض ، ثم غادرها إلى الشام وهو في عقابيل الداء على ما قدمت من خبره « 2 » ، وهو في كلتا الإلمامتين لم يكن متفرغا لما يتفرغ له الماجنون من السيرة القبيحة التي يزنّه بها فخر الدين الحلبي ويزعم أنه حدثه بها عن نفسه . وقد تصفحت كتاب « بدائع البداءة » المطبوع على هامش « معاهد التنصيص » ، فلم أقع فيه على هذا الخبر ، وسواء أأخطأت رؤيته أم لم أخطئها ، فان مثل العماد الكاتب - في عقله وفقهه ومركزه - إذا جاز أن يقع ذلك منه ، فلا يجوز في مذهب العقل مطلقا أن يحدث به عن نفسه حديثا يزري بفقهه ويسقط عدالته . وإذا محصت العلائق بين ابن ظافر والعماد ، أو بين فخر الدين الحلبي والعماد ، انكشف سرّ هذا الاختلاق السافر . وكان الصفدي - فيما يبدو لي - يتعمد إيذاء العماد في دينه وأخلاقه ، لسبب لم أتبينه ، فقد رأيته ينسب اليه في كتاب آخر « 3 » من كتبه آثاما وكبائر أخرى أيضا زعم أنه اقترفها ، وذلك أيام بلغ الذروة في علوّ السن وفي مقامي الدين والدنيا تحت راية الدولة
--> ( 1 ) الروضتين ( 1 / 136 ) . ( 2 ) راجع ص ( 40 ) . ( 3 ) الغيث المسجم في شرح لامية العجم ( 1 / 143 ) .