عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 56

خريدة القصر وجريدة العصر

به ، رقّ العماد له فقال للسلطان سرّا بالفارسية : « تهبه للقرآن » ، فقال : نعم ، فنفس من خناقه ، وأمر بإطلاقه ، وأبقى عليه خيره « 1 » . وعلمنا من سيرة العماد ، من لدن نشأته إلى وفاته ، أنّه ربي على التقوى والطاعة والتخلق بأخلاق الإسلام ، وأنه تفقه في المدرسة النظامية ببغداد وأخذ عن أكابر العلماء بأصبهان وبغداد ودمشق والإسكندرية حتى استولى على الأمد وعدّ من أفاضل الفقهاء والمحدثين ، وحج بيت اللّه الحرام في عنفوان شبابه ، وبلغ مرتبة عالية في الدين والدنيا ، وولاه السلطان نور الدين محمود بن زنكي الشهيد في مدرسته بدمشق مدرسا وناظرا ، وائتمّ به السلطان صلاح الدين في صلواته . وكان إلى هذا وغيره ، كما هو المعروف من أخلاقه ، مغرى بالجد ، مغرما بطلب المعالي ، ووقته كله مصروف في تحصيل العلم والأدب ، وفي نظم الشعر وكتابة الرسائل وتصنيف الكتب في ثقافة عصره وتأريخه ، وفي الأسفار ما بين أصبهان ومصر سعيا وراء لباناته كما قال في معنى تنقّله في البلاد : يوما بجيّ ، ويوما في دمشق ، وبال * فسطاط يوما ، ويوما بالعراقين كأنّ جسمي وقلبي الصّبّ ما خلقا * إلّا ليقتسما بالشوق والبين فلا جرم أنه كان ينأى بنفسه عما يشينها من الشبهات والآثام ، ما صغر منها وما كبر ، غير أن صلاح الدين الصفدي - كما عرفنا من ولعه والتذاذه برواية الأحاديث والقصص الماجنة في كتابه « الغيث المسجم في شرح لامية العجم » قد تجاهل كل ذلك من أخلاق الرجل ، وأبى الا أن يزنّه بتهمة ثقيلة من مقارفة الكبائر المهلكة المسقطة للعدالة « 2 » ، لو عرف بها حقا لما بلغ في الدولتين النورية والصلاحية ما بلغ من جلال الشأن ، وهما على ما نعلم من حرص مؤسسيهما العظيمين على إقامة شعائر الإسلام واصطفاء الأخيار من أكابر علماء الملة للوزارة والقضاء والكتابة . فنقل في أثناء ترجمته للعماد في كتابه « الوافي بالوفيات » عن « بدائع

--> ( 1 ) الروضتين ( 2 / 26 ) . ( 2 ) الوافي بالوفيات ( 1 / 136 ) .