عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 55

خريدة القصر وجريدة العصر

الصفدي عن شمس الدين محمود المروزي قال : « كنت بحضرة القاضي الفاضل - رحمه اللّه - وكان العماد حاضرا عنده . فلما انفصل ، قال الفاضل للجماعة : بم تشبّهون العماد ؟ - وكان عنده فترة عظيمة وجمود في النظر والكلام ، فإذا أخذ القلم أتى بالنثر والنظم - فكلّهم شبهه بشيء ، فقال : ما أصبتم ، هو كالزناد ظاهره بارد وباطنه فيه نار » « 1 » . وقد أغفلت الحكاية ما قاله فيه جلساؤه من التشبيهات والآراء ، وظاهر من هذا أن مظهر العماد كان لا يروق الناظرين اليه ، فكانوا يسيئون لذلك تقديره . ومما لا شكّ فيه أن جلساءه حين خاضوا في حديثه لتحديد صفته فاختلفوا ولم يصيبوا شاكلة الصواب من أمره ، إنّما عرضوا لباطنه من جهة ظاهره ، واستدلّوا بهذا على ذاك ، فوقعوا في الخطأ ولم يهتدوا إلى حقيقته ؛ لأن فراسة الظاهر لا تستلزم المطابقة لفراسة الباطن في جميع الأحوال . وقد كان القاضي الفاضل خبيرا كل الخبير بكنه العماد ، فرفض هذا القياس وأنصفه بما وصفه به ، على حين غاب ما يعرف من أمره عن الجماعة فظلمته بقياسها باطنه على ظاهره ولم تفقه حقيقته . وأرى القاضي الفاضل كان على حق في جملة ما عرفه من شأن العماد وتفصيله ؛ لأن العماد قد استجمع صفات ممتازة فلما يستجمعها رجل : من علم وأدب ، وشعر ونثر ، وعلم بالتأريخ ، وفقه وتقوى ، واجتهاد وسداد ، وذكاء وسماحة قريحة وقوة بديهة وارتجال . وقد دلّ على ذلك كله مجموع آثاره ، والمأثور المعروف من أخباره ، مما يصعب استقصاؤه في مقام الايجاز . وقد نجد في أخبار العماد ما يعرب عن مروءته وكرم أخلاقه وحسن تأتّيه فيما يريده ، مثال ذلك : زوّر خطيب المزّة على السلطان صلاح الدين خطّا بما يطلق له الأموال ، ورفعه إلى عزّ الدين فرخ شاه « 2 » - ابن أخي السلطان صلاح الدين - فعلم تزويره عليه ، وهمّ بالإيقاع به ، فهرب إلى القاهرة واستجار بالسلطان ، وكان قد داوم على ذلك زمانا ما يشكّ صاحب ديوان ولا متولي خزانة في أنه صحيح . ولما جلس السلطان ، وأمراؤه عنده يغرونه

--> ( 1 ) الوافي بالوفيات ( 1 / 139 ) . ( 2 ) ترجمته في مرآة الزمان ( 8 / 372 ) ، وغيره .