عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 5
خريدة القصر وجريدة العصر
الجزء الأول مقدمة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم عظم حظّ العرب من الشعر ، وازدهرت فنونه عندهم في جميع عصورهم : ازدهرت في إسلامهم كما ازدهرت في جاهليّتهم ، وعنيت أجيالهم بالتثقّف به ، وافتنوا في نظم أعاريضه وقوافيه ، ونوّعوا أغراضه ، وعمّقوا معانيه ، وجدّدوا أساليبه ، متأثرين بتطوّرات الزمان والمكان ، ومؤثرين فيهما على نحو مما تقتضيه سنن النشوء والارتقاء ، وتتطلبه بواعث الطبيعة الإنسانية المتثقفة في نشدانها الكمال وابتغائها المثل العليا في كل جيل . ثمّ ورث ذلك كلّه عن العرب هذه الطوائف المستعربة ، الداخلون في الإسلام والمتثقّفون بالثقافة العربية الإسلامية ، وهم لا يحصون عددا ، فاحتذوا مثالهم فيه ، واستنّوا سنتهم في الحفل بالآداب العربية والولع بقرض الشعر العربي الجميل المفعم قوّة وحياة وجمالا ، حتّى آلت إليهم زعامته في بعض العصور الإسلامية ، القديمة والحديثة ، مما استفاض حديثه في الكتب ، وعرّفه شداة تأريخ آداب العرب . ولقد حفل هؤلاء وغيرهم بتدوين المأثور من الشعر والنثر ، وعنوا بروايته واختياره ونقده ، وألّفوا في فنونه وبلاغته وفي تأريخه وطبقات رجاله من قدماء ومحدثين ومولّدين . وتعاقبت العصور وكلّ جيل يرزق نفرا من الكتاب يتوفّرون على تدوين تأريخ شعرائه وكتّابه وأدبائه ، أفرادا وجماعات ، ويقيمون لهم من إنتاجهم وروائعهم صروحا شامخة تنحسر عنها الأبصار ، وربما سمت همة فرد منهم فكتب تأريخ رجال عصره في أنحاء المملكة الاسلامية الواسعة كلّها ملمّا بأخبارهم على قدر ما يبلغه جهده من ذلك ،