عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 42

خريدة القصر وجريدة العصر

وله من السلطان ومن القاضي الفاضل - لجلالة قدره - إجلال » ، فلزم التودّد له ، وجعله الوسيط بينه وبين القاضي الفاضل ، ووقف خاطره على تقاضيه نظما ونثرا ، وأخذ يقدم بين يديه إلى القاضي الفاضل مدائحه . وكان أول ما أهداه اليه ، مدحة رائعة حين لقيه بحمص في شعبان ، منها : عاينت طود سكينة ، ورأيت شم * س فضيلة ، ووردت بحر فواضل ولقيت « سحبان » البلاغة ساحبا * ببيانه ثوب الفخار « لوائل » أبصرت « قسّا » في الفصاحة معجزا * فعرفت أنّي في فهاهة « بأقل » « 1 » فصادف ذلك استحسانه ، وأعجبه ما خبره من اقتدار العماد في الصناعتين وحذقه الأدب الفارسي ، فقرر تعيينه في ديوان الكتابة لينتفع من مواهبه ، ودخل على السلطان صلاح الدين فأجرى ذكره منوّها بفضله ومزاياه ، وقال له وهو يرشحه للكتابة عن السلطان : غدا يأتيك ملوك الأعاجم ، ولا تستغني في الملك عن عقد الملطّفات وحلّ التراجم ، والعماد يفي بذلك ، ولك أختاره ، وقد عرفت في الدولة النّوريّة مقداره . ولم يكن أحد أعزّ على السلطان من القاضي الفاضل ، فقال له : مالي عنك مندوحة ، أنت كاتبي ووزيري ، وقد رأيت على وجهك البركة ، فإذا استكتبت غيرك تحدث الناس . وطغت لباقة الوزير على تردّد السلطان ، فأقنعه وأخذ خطّه باستكتابه . فلزم العماد حضرته ، وأفاء عليه صلاح الدين من رعايته ، وركن اليه بأسراره ، فتقدم الأعيان ، وضاهى الوزراء ، وكان الكاتب الثاني في الدولة الصلاحية . وقد غرّ بعض الكتاب تقدّمه في المرتبة بعد القاضي الفاضل فحسبوه « وزيرا » ، كالذي نعته به ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب « 2 » ، بل قال ابن الفوطي في مجمع الآداب : « ذكره ياقوت الحموي في كتاب معجم الأدباء وقال :

--> وجاءنا تعيه ونحن بحمص ، فجاوز اغتمام السلطان برزئه حده ، وجلس في بيت الخشب مستوحشا وحده ، وقال : لا يخلف الدهر لي صديقا مثله بعده . وأجرى ما كان له جميعه لولده ، وحفظ عهده . وكان لجماعة من الأعيان والشعراء والأماثل والأدباء بعنايته ووساطته من السلطان رزق ، أبقاه عليهم كأنه مستحق » . ( 1 ) خريدة القصر - قسم شعراء مصر ( 1 / 37 ) . ( 2 ) شذرات الذهب ( 4 / 332 ) .