عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 43

خريدة القصر وجريدة العصر

« كان أحد وزراء الملك الناصر » ، ولم أجد هذا النصّ في معجم الأدباء لا في طبعة مرغليوث ولا في طبعة أحمد فريد رفاعي ، وإنّما الذي فيهما أن السلطان « . . . استكتبه واعتمد عليه ، فتصدّر ، وزاحم الوزراء وأعيان الدولة » ، وهذا غير ذاك . وكان إذا انقطع القاضي الفاضل بمصر لبعض شؤون الدولة والسياسة ، قام مقامه ، وكان القاضي الفاضل آمنا من توثّبه عليه ، ولهذا كان يطمئن اليه إذا غاب عن السلطان . ولما استتمّت للسلطان صلاح الدين بالشام أمور ممالكه ، وأمن على مناهج أمره ومسالكه ، أزمع الإياب إلى مصر ، فخرج من دمشق يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول 572 ه ، وخرج معه العماد تاركا أهله وراءه بدمشق ، فما كانوا ينزلون منزلا إلّا نظم أبياتا حنينا إلى أسرته وشوقا إلى ملاعب حبّه في جنّات الغوطة والنيربين ، ودخل القاهرة يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول ، ولم يكن ورد الديار المصرية قبل ذلك ، فاستولت على مجامع قلبه ، وجعل يذكر محاسنها وما اختصّت به من بين البلدان ، وتعلّق بالمصريّين وأثنى عليهم ثناء جميلا حلو الألفاظ بارع النغمات ، كالذي تراه من ذلك فيما كتبه في مقدمة القسم المصري من « خريدة القصر » ، وفيما تغنى به من مناقبهم في شعره ، وما أحلى دعاءه لهم في بعض أشواقه : بقيتم وعشتم سالمين من الأذى * ومنية قلبي أن تعيشوا وتسلموا ! ونعم في أفياء صلاح الدين - رحمه اللّه - بعيشة راضية رافهة ، واستمتع من هباته وألطافه حتّى بالغادات الأوربيات الشّقر الحسان اللائي كنّ يقدمن مع الجيوش الباغية للترفيه ، فيقعن مع من يقع منهم في أسر أهل البلاد المناضلين . وقد ظفر العماد من السلطان - فيما استقصيت من أخباره - بغادتين جميلتين منهنّ : واحدة استوهبها من سبي الأسطول بالإسكندرية ، والأخرى كان أمّلها - في بعض شعره - من كرائم السبي في القدس ، فلما جاء الفتح ، حقق السلطان أمله ، وأعطاه غادة حسناء من اللائي أسرهنّ جيشه المظفر في أكبر معركة من المعارك الفاصلة في التأريخ بين الشرق والغرب .