عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 41

خريدة القصر وجريدة العصر

مناقب السلطان ووصف انتصاراته وفتوحاته ألف شفيع بين يديه ، فخرج من الموصل في رابع جمادى الأولى سالكا طريق الصحراء ، فبلغ دمشق في ثامن جمادى الآخرة ، فوجد السلطان قد جازها إلى حلب . وكان لا يزال في عقابيل الداء ، فلما شفي وعاد السلطان إلى حمص ، قصده فيها وقد تسلّم قلعتها في 21 شعبان ، فحضر بين يديه وأنشده مدحه وأطال فيه وأجاد . ثم لزم بابه يرحل برحيله وينزل بنزوله . واستمرّ على عطلته مدة ، وهو يغشى مجالسه وينشده في كلّ وقت المدائح والتهاني ويعرّض بودّه القديم ، حتّى كاد يذهب خياله باطلا من إغفال السلطان لتعيينه . ثمّ عرف أن حسّاده قد زينوا له أن يصرفه برفد جزيل ، ووجه جميل ؛ لأن الكتابة التي يطلبها هي منصب « القاضي الفاضل » « 1 » الذي هو في أرفع المنازل عند السلطان ، وهو يستنيب فيه من يراه ليصون أسراره من أن تتشعّث . وكان العماد قد أنس - مدة مقامه بالعسكر - بالأمير الأديب الشاعر نجم الدين بن مصال المصري « 2 » من أعيان الدولة الأيوبيّة ، « وهو ذو فضل وإفضال ، وقبول وإقبال ،

--> ( 1 ) أبو علي عبد الرحيم بن علي اللخمي البيساني ، أشهر كتاب العربية في العصور الوسطى وأحد عظماء الوزراء الأكفاء في الإسلام . ولد سنة 529 ه بعسقلان ، وكان أبو يفي قضاء بيان فتسب إليها ، ونشأ بمصر ، واشتغل بعلم الأدب والترسل فبرع ، وتميز بطريقة خاصة في الكتابة يقال لها الطريقة الفاضلية ، وكان من أشهر أتباعها : العماد الأصبهاني الكاتب ، وابن الأثير صاحب المثل السائر . ووزر لصلاح الدين الأيوبي فساس ملكه خير سياسة ، ثم وزر من بعده لولده الملك الأفضل ، ثم لابنه الملك المنصور ، وتوفي سنة 596 ه بالقاهرة . وفضائله أكثر من أن تحصى . انظر عنه الخريدة - القسم المصري ( 1 / 35 ) ، والجامع المختصر ( ص 28 ) ، والروضتين ( 2 / 251 ) ، وطبقات الشافعية ( 4 / 253 ) ، والوشي المرقوم لابن الأثير ( ص 9 ) ، ووفيات الأعيان ( 1 / 284 ) ، وشذرات الذهب ( 4 / 324 ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 24 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 472 وغيرها . انظر فهرست الكتاب ) ، والدارس في تأريخ المدارس ( 1 / 89 ) . ( 2 ) روى أبو شامة المقدسي في « الروضتين » عن العماد الأصبهاني الكاتب أنه كان مقدما عند السلطان صلاح الدين الأيوبي ، وله منه ومن القاضي الفاضل - لجلالة قدره - اجلال ، وقال : « وكان أبوه قد وزر للحافظ ( الفاطمي ) في آخر عهده ، منفردا بسؤدده ومجده . وكان من أهل السنة والجماعة ، والتقى والورع والعفاف والطاعة ، وله يد عند السلطان في النوب التي قصدوا فيها مصر ، وأجزل عنده الإحسان والبر ، لا سيما عند كونه بالإسكندرية محصورا ، وكان احسانه مشكورا ، واعتناؤه لحفظه مشهورا . فلما ملك ، أحبه ، واختار قربه » . وقال في موضع آخر يذكر وفاته وحزن السلطان عليه نقلا عن العماد الكاتب أيضا : « في الثاني عشر من جمادى الأولى ( سنة 574 ه ) توفي الأمير نجم الدين بن مصال بمصر ،