أحمد بن إبراهيم الغرناطي
353
صلة الصلة
وإن شق ، بني ببلده مالقة خمسة وعشرين مسجدا من صميم ماله ، وخدم فيها وعمل بيده ، وحفر ببلده أيضا آبارا عدة تنيف على خمسين بئرا ، أو نحوها ؛ وغزا عدة غزوات مع المنصور بالمغرب ، ومع صلاح الدين بالشام ، وكان رحمه اللّه يلبس الخشين من الثياب ، وبذلك كان يتردى ويعتم ؛ ومن مطرد عمله : أنه كان لا يحل بموضع طاهر تجوز الصلاة به إلا صلّى - إن كان وقت يصلى فيه ، وكان في حفره الآبار إذا خرجت له أرض جديدة ، ركع فيها وتنفل بما أمكنه ؛ ولما زيد في جامع مالقة واستبدلت أرجله بالأعمدة ، وحفر لأساسها ، كان يقصد تلك الحفر بين العشاءين - وقد غطيت بالحصر تحفظا وتوقيا ، فكان ينزل فيها ويركع فيها بين العشاءين ، وربما أخفى ذلك حتى اطلع عليه من عني بلحظ أعماله ؛ وكان يؤذن بالباب الغربي القريب للقبلة من جامع مالقة ، ويعرف ذلك الباب بباب الرحمة وجرت له في ذلك قصة عجيبة تشهد بولايته ؛ وكان - رحمه اللّه - يؤم في الفريضة بالجامع المذكور في أكثر الأوقات من غير التزام ، ويقرئ به متى أقرأ ، ويسمع الحديث ؛ وله شعر كثير ، وكان أولع الناس باللزوم في شعره ، وأقدرهم عليه ، وكان الأدب أغلب علومه عليه ؛ فكان أيسر الناس بديهة ، وأكثرهم شعراء ، مع رقة طبع ، ورشاقة أغراض ، وهو في كل ذلك أشد الناس مراعاة لأوقاته ، لا يضيع منها شيئا - في غير طاعة - رحمه اللّه ؛ وأما حاله في ورعه ، فعلى مقام لا يحرزه ويقوم به إلا من وفق له وأعين عليه ؛ وله تأليف أدبي كبير سماه بكتاب ألف باء للألباء ، جمع أدبا كثيرا ، وتاريخا ، ومواعظ ، وغير ذلك ؛ وبناه على سبب ، وكل ما فيه فمنتقى حسن ؛ وجمع كتابا آخر سماه بالتكميل ، ضمنه كثيرا مما جرى بينه وبين صديقه ومؤاخيه وشيخه الخطيب الأديب ، الحافل الورع ، الزاهد ، أبي محمد عبد الوهاب القيسي - رحمه اللّه - وقد مر ذكره ؛ تضمن من بديع الشعر والكتب غررا ، ومن الأدب الحافل دررا ؛ وألف غير ذلك ؛ توفي - رضي اللّه عنه - سنة 604 - 1207 ، روى عنه جلة - كالحافظ أبي محمد القرطبي ، وأبي علي الرندي ، وأبي جعفر بن المجيد الجيار ، وأبي محمد بن حوط اللّه وأخيه أبي سليمان ، وأبي الربيع بن سالم ، والجماء الغفير ؛ وممن أخذنا عنه : الخطيب أبو إسحاق بن عبيد اللّه الأوسي ، وسمع عليه كثيرا ؛ وأبو عبد اللّه محمد بن عيسى بن هلال ، وسمع أيضا عليه ؛ والحافظ أبو إسحاق بن الكماد ، وأبو الوليد العطار ، وأبو عمر بن حوط اللّه ، وغيرهم وقد تقدم ذكر ابنيه أبي محمد عبد اللّه ، وأبي محمد عبد الرحيم - وروايتهما عنه ، وسمع عليه حفيده الخطيب أبو محمد عبد العظيم بن أبي محمد عبد اللّه المذكور - بعض شيء في صغره - رحمهم اللّه .