ابن عساكر

مقدمة ودراسة 46

معجم الشيوخ

وهناك التقى برفاق صاحبوه في رحلاته وسماعاته وتعاونوا على الكتابة والاستنساخ والقراءة والسماع وتبادل الروايات وتحصيل الإجازات ، وأشهر رفاقه هؤلاء عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد بن أبي المظفر السمعاني الذي لقيه بنيسابور في بداية رحلته ، وكان الحافظ قد سبقه إليها بشهر واحد ، جمعهما حب العلم ، وروى كل منهما على الآخر وذكره في معجم شيوخه « 1 » ، ودامت صداقتهما إلى ما بعد رجوع الشيخ الحافظ إلى دمشق قال أبو سعد : « دخل نيسابور قبلي بشهر ، سمعت منه ، وسمع مني ، وسمعت منه معجمه ، وحصل لي بدمشق نسخة به ، وكان قد شرع في التاريخ الكبير لدمشق ، ثم كانت كتبه تصل إلي وأنفذ جوابها » « 2 » . لقد طاف أرجاء شاسعة ، وجمع علوما وافرة خلال هذه الرحلة التي استغرقت من عمره أربع سنوات عاد بعدها إلى بغداد ، ومنها إلى دمشق سنة 533 « 3 » بعد أن طبقت شهرته الآفاق وروى عنه شيوخه بله أقرانه . وفي هذه السنة شرع بالتحديث ملبيا رغبة ذويه وأعيان بلده مستحيا من حب الرئاسة والظهور ، وهو يشرح لنا هذا في كلامه لولده القاسم : « قال لي جدي القاضي أبو المفضل لما قدمت من سفري : اجلس إلى سارية من هذه السواري حتى نجلس إليك ، فلما عزمت على الجلوس اتفق أنه مرض ولم يقدر له بعد ذلك الخروج إلى المسجد » « 4 » وقال له أيضا : « لما عزمت على التحديث ، واللّه المطلع أنه ما حملني على ذلك حب الرئاسة والتقدم ، بل قلت : متى أروي كل ما قد سمعته ، وأي فائدة في كوني أخلفه بعدي صحائف ؟ فاستخرت اللّه ، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد وطفت عليهم ، فكل قال : ومن أحق

--> ( 1 ) انظر الرواية 757 من معجم شيوخ ابن عساكر . ( 2 ) سير أعلام النبلاء 20 : 567 ، وتذكرة الحفاظ 4 : 1330 . ( 3 ) قال أبو سعد السمعاني إنه لقيه ببغداد في هذه السنة . انظر الخريدة 1 : 247 . ( 4 ) سير أعلام النبلاء 20 : 566 ، وتذكرة الحفاظ 4 : 1332 .