ابن عساكر

269

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فجعلهما في كميه ، ثم دخل بهما على ملكهم ، فنثرهما ، فلمّا رآهما ملك الجبارين قال : اذهبوا فاجهدوا علينا ! فخرجوا حتى أتوا موسى ، فأخبروه ، فقال : اكتموا علينا . فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه وصديقه ويقول اكتم عليّ . فأشعر ذلك في عسكرهم ، ولم يكتم منهم إلّا رجلان : يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وهما اللذان أنزل اللّه فيها : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا [ سورة المائدة ، الآية : 23 ] . فقال أصحاب موسى : لسنا نقاتلهم ، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ سورة المائدة ، الآية : 24 ] ، فنزل : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ [ سورة المائدة ، الآية : 25 ] ، فتاهوا أربعين سنة ، فهلك موسى وهارون في التّيه ، وكلّ من جاوز الأربعين « 1 » ، فلمّا مرّت الأربعون ناهضهم يوشع بن نون ، وهو الذي قام بالأمر من بعد موسى ، وهو الذي افتتحها ، وهو الذي قيل له : إنّ اليوم يوم الجمعة ، فهموا بافتتاحها ، ودنت الشمس للغروب ، فخشي إن دخلت عليه ليلة السبت أن يسبتوا ، فنادى الشمس : إنّي مأمور . وإنّك مأمورة ، فوقفت حتى افتتحها . قال : فوجدوا فيها من الأموال ما لم يروا مثله ، فقرّبوه للنار فلم تأكله ، فقال أفيكم غلول ، فدعا رؤساء الأسباط ، وهم اثنا عشر رجلا ، فبايعهم ، فالتصقت يد رجل منهم بيده . فقال : الغلول في أصحابك ، فبايعهم كما بايعت ، فمن التصقت يده بيدك فالغلول عنده ، فبايعهم ، فالتصقت يده بيد رجل منهم ، فقال : الغلول عندك ، فأخرجه ، فأخرج رأس بقرة من ذهب ، لها عينان من ياقوت ، وأسنان من لؤلؤ مرصعة [ فقرب ] مع القربان ، فأتت النار ، فأكلته . قال أحمد بن حنبل « 2 » : حدّثنا أسود بن عامر أخبرنا أبو بكر - يعني ابن عياش - عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلّا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس » [ 14436 ] . قال أحمد : لم أسمعه إلّا من الأسود ، وأبو بكر يضطرب في حديث هؤلاء الصغار ، فأما حديثه عن أولئك الكبار فما أقر به عن أبي حصين وعاصم وانه لمضطرب عن أبي إسحاق أو نحو ذلك . قال : ليس هو مثل سفيان وزائدة وزهير ، وكان سفيان فوق هؤلاء وأحفظ .

--> ( 1 ) في تاريخ الطبري : فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين مات في التيه . ( 2 ) رواه أحمد بن حنبل في المسند 3 / 214 رقم 8322 ورواه ابن كثير في البداية والنهاية 1 / 376 نقلا عن الإمام أحمد .