ابن عساكر
266
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
في قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ [ سورة البقرة ، الآية : 50 ] ، قال : لمّا أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك يا موسى ؟ فو اللّه ما كذبت ولا كذّبت . ففعل ذلك ثلاث مرّات ، وأوحى اللّه إلى موسى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [ سورة الشعراء ، الآية : 67 ] ، فضربه ، فانفلق ، ثم سار موسى ومن معه ، فأتبعهم فرعون في طريقهم ، حتى إذا تتامّوا فيه أطبقه اللّه عليهم . فذلك قوله : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . قال ابن عباس : حدّثني أبيّ بن كعب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « 1 » : « إنّ موسى - عليه السّلام - ذكّر الناس يوما ، حتى إذا فاضت العيون ، ورقّت القلوب ولّى ، فأدركه رجل ، فقال : يا رسول اللّه ، هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ قال : لا ، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إلى اللّه ، فأوحى اللّه إليه : إنّ لي عبدا أعلم منك ، قال : أي ربّ ، وأين ؟ قال : بمجمع البحرين ، قال : يا ربّ ، اجعل لي علما أعلم ذلك به ، قال : خذ حوتا ميتا حيث ينفخ اللّه فيه الروح - وفي رواية : حيث يفارقك الحوت - فذاك قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [ سورة الكهف ، الآية : 60 ] يوشع بن نون . فبينا هو في ظل صخرة إذ تضرّب « 2 » الحوت وموسى نائم ، قال فتاه : لا أوقظه ، حتى إذا استيقظ نسي « 3 » أن يخبره ، وتضرّب الحوت حتّى دخل البحر فأمسك اللّه عليه جرية البحر حتى كان أثّر في حجر - وحلّق إبهاميه واللّتين تليانهما - لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً [ سورة الكهف ، الآية : 62 ] ، قال : قد قطع اللّه عنك النّصب « 4 » ، وأخبره ، فرجعا ، فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر « 5 » مسجى بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى ، فكشف عن وجهه ، وقال : هل بأرضك من سلام ؟ من أنت ؟ قال : أنا موسى ، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، قال : فما شأنك ؟ قال : جئت لتعلّمني مِمَّا عُلِّمْتَ - وذكر الحديث .
--> ( 1 ) رواه ابن كثير في البداية والنهاية 1 / 346 تحت عنوان : قصة موسى والخضر عليهما السلام وتاريخ الطبري 1 / 221 والكامل لابن الأثير 1 / 121 . ( 2 ) تضرّب الحوت : اضطراب وتحرك . ورواية الطبري : فرقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل . ( 3 ) في مختصر أبي شامة : « يعني » والمثبت عن البداية والنهاية . ( 4 ) النصب : الداء ، والبلاء والتعب والشر ( تاج العروس : نصب ) . ( 5 ) كبد البحر : أي على أوسط موضع من شاطئه . ( تاج العروس : كبد ) .