ابن عساكر

89

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

أتى بي الحجاج موثقا ، فإني لعنده إذ جاء الحاجب فقال : إن بالباب رسلا فقال : ائذن ، فدخلوا عمائمهم على أوساطهم وسيوفهم على عواتقهم وكتبهم بأيمانهم ، فدخل رجل من بني سليم يقال له سيابة بن عاصم ، فقال : من أين ؟ قال : من الشام ، قال : كيف تركت أمير المؤمنين ؟ كيف جسمه فأخبره قال : هل كان وراءك من غيث ؟ قال : نعم ، أصابني فيما بيني وبين أمير المؤمنين ثلاث سحائب ، قال : فانعت كيف كان وقع المطر ، وكيف كان أثره وتباشيره ؟ قال : أصابتني سحابة بحوران فوقع قطر صغار وقطر كبار ، فكان الصغار لحمة للكبار ، ووقع بسيط متدارك وهو السّحّ الذي سمعت به فوادي سائل ووادي « 1 » نازح وأرض مقبلة وأرض مدبرة ، وأصابتني سحابة بسوى فأروت الدماث وأسالت العزاز « 2 » ، وأدحضت التلاع وصدعت عن الكماة أماكنها ، وأصابتني سحابة بالقرنين « 3 » ففاءت الأرض بعد الري وامتلأ الإخاذ وأفعمت الأودية ، وجئتك في مثل وجار الضبع ، أو قال مجرّ . قال : ائذن ، فدخل رجل من بني أسد ، فقال : هل كان وراءك من غيث ؟ قال : لا كثر الإعصار واغبرّ البلاد ، وأكل ما أشرف من الجنبة يعني النبت ، واستقينا أنه عام سنة ، قال : بئس المخبر أنت ، قال : أخبرتك بالذي كان . قال : ائذن ، فدخل رجل من أهل اليمامة فقال : هل وراءك من غيث ؟ قال : نعم ، سمعت الرعاء تدعو إلى ريادتها وسمعت قائلا يقول : هلمّ أظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران وتشكي فيها النساء ، وتنافس فيها المعزى ، قال : فلم يفهم الحجاج ما قال ، فقال : ويحك إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم « 4 » ، قال : نعم ، أصلح اللّه الأمير ، أخصب الناس فكان التمر والسمن والزبد واللبن ، ولا يوقد نار يختبز بها ، وأما تشكّي النساء فإن المرأة تظل تربق « 5 » بهمها ، وتمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها كأنهما ليسا منها ، وأما تنافس المعزى ، فإنها ترى من أنواع الشجر وألوان الثمر ما تشبع بطونها ولا تشبع عيونها ، فتبيت وقد امتلأ أكراشها ، لها « 6 » من « 7 » الكظة جرّة حتى تستنزل الدرة . قال : ائذن ، فدخل رجل من الموالي ،

--> ( 1 ) كذا بالأصل هنا بإثبات الياء . ( 2 ) العزاز الأرض الصلبة . ( 3 ) كذا هنا ، وتنقدم : القريتين . ( 4 ) غير واضحة بالأصل ، والمثبت كما في الرواية السابقة . ( 5 ) ربق الشاة والجدي : شدها في الربقة وهي عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها ( انظر اللسان ) . ( 6 ) بالأصل : بها . ( 7 ) من قوله : أكراشها إلى هنا مكرر بالأصل .