ابن عساكر

319

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن التفوه به فيه ، فقال : قل ولا تجزع ، فقال : قال : كذا وكذا ، قال : قل له : بعد ثلاث أحضر لينجز لك ما سألت ، وأنت تتولى الاستئذان له ، ودعا بخادم ، وقال : امض إلى فلانة ، وقل لها : حضر رجل ، وذكر كذا وكذا ، وأجبناه إلى ما سأل ، فكوني على أهبة ، ثم أدى الفضل الرسالة إليه ، فانصرف وحضر في اليوم الثالث ، وعرف الرشيد خبره ، فقال : يلقى له بحيث أرى كرسي فضة ، وللجارية كرسي ذهب ، وتخرج إليه ، ويحضر ثلاثة أرطال ، فجلس الفتى والجارية بإزائه ، فحدثها ، والرشيد يراهما ، فقال للخادم : لم تدخل لتشتو وتصيف ، فأخذ رطلا ، وخرّ ساجدا وقال : إذا شئت أن تغني فغني « 1 » : خليلي عوجا بارك اللّه فيكما « 2 » * وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا * ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا غدا يكثر الباكون منا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا فغنته ، وشرب الرطل ، وحادثها ساعة ، فاستحثه الخادم ، فأخذ الرطل بيده ، وقال : غني جعلت فداك : تكلّم منا في الوجوه عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا * وذلك فيما بيننا ليس يعلم فغنته ، وشرب الرطل الثاني ، وحادثته ساعة ، فاستعجله الخادم ، فخرّ ساجدا يبكي ، وأخذ الرطل بيده ، واستودعها اللّه ، وقام على رجليه ، ودموعه تستبق استباق المطر ، وقال : إذا شئت غني : أحسن ما كنا تفرقنا * وخاننا الدهر وما خنّا فليت ذا الدهر لنا مرة * عاد لنا يوما كما كنّا فغنته الصوت ، فقلب الفتى طرفه ، فبصر بدرجة في الصحن ، فأمها ، وتبعه الخدم ، ليهدوه الطريق ، ففاتهم ، وصعد الدرجة وألقى نفسه إلى الأرض على رأسه ، فخرّ ميتا ، فقال الرشيد : عجّل الفتى ، ولو لم يعجل لوهبتها له .

--> ( 1 ) الأبيات الثلاثة في البداية والنهاية 10 / 239 والأغاني 22 / 243 وقد نسبها لعبد اللّه بن العجلان النهدي الأول والثاني من أربعة أبيات . ( 2 ) صدره في الأغاني : ومرّا عليها بارك اللّه فيكما .